استمرار حالة الفوضى وصراع المليشيات في ليبيا الذي يحصد المزيد من الأرواح يوميا بجانب استعار المواجهات القبلية في أكثر من منطقة، يرسم صورة قاتمة لمستقبل البلاد بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على سقوط نظام معمر القذافي. الزيارة المفاجئة التي قام بها الأمين العام للأمم بان كي مون إلى طرابلس السبت الماضي ودعوته إلى وقف المعارك وبدء حوار سياسي لإنهاء الفوضى الدستورية وأعمال العنف التي تجتاح البلاد، تعكس أيضا المخاوف الأممية من انزلاق إلى حرب أهلية شاملة.
ما يجري في المدن الكبر وفي مقدمتها طرابلس وبنغازي يقول إن الوضع يزداد تعقيدا، فالحوادث التي كانت في الماضي محدودة تحولت إلى مواجهات دامية بين جماعات مسلحة بأسلحة ثقيلة لكل منهما حلفاء في مناطق أخرى بالبلاد. إن الخطر الذي يشكله انتشار الجماعات الإرهابية أصبح حقيقيا، فالوضع الأمني الفوضوي ومحدودية قدرة الحكومة لمواجهة هذا الخطر يوفر أرضا خصبة لخطر متنام يهدد المغرب العربي بأسره بل وأفريقيا جنوب الصحراء.
لقد فشلت معظم الأهداف الاقتصادية للدولة بسبب الصراع، فتكاليف الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية يتجاوز حجمها عشرات المليارات من الدولارات. ولقد كان من المؤمل أن تسفر انتخابات يونيو الماضي عن حراك فعلي لإعادة بناء مؤسسات الدولة وإخماد العنف المستشري، ولكن أطماع وأنانية الثوار السابقين الذين اتحدوا ضد القذافي، أحبطت آمال الليبيين في استشراف عهد جديد والتمتع بثمار ثورتهم الظافرة على صعيد الأمن والتنمية والازدهار، فأصبح حال الثوار كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
إن من المهم الوقوف مع الشرعية والدفع باتجاه تشكيل حكومة ممثلة لجميع الأطياف تكون قادرة على إعادة إطلاق مصالحة وطنية شاملة وتحقيق توافق وطني يقود إلى الحفاظ على وحدة ليبيا وصيانة سيادتها وسلامة أراضيها. ولعل من الإجراءات العاجلة التي تقتضيها تفاعلات المشهد الليبي تشديد حظر السلاح على ليبيا وتفعيل العقوبات على الجماعات والأفراد الذين يهددون أمن البلاد، إضافة إلى السعي الجاد لنشر قوة لحفظ السلام للمساعدة في نزع سلاح الفصائل وإعادة الاستقرار.

