مطالبات بفتح الاستثمار في قطاعي الحج والعمرة بمعايير دولية

طارق الثقفي - مكة المكرمة

فتحت حوافز المليار ريال التي قدمت للعاملين في حج هذا العام، الباب أمام إعادة بلورة اقتصاد الحج والعمرة والخدمات المقدمة في المشاعر المقدسة فيما يختص بتقديم خدمات تشغيلية ولوجستية وفق المعايير الدولية التي تبنى عليها المشاريع الاستثمارية الضخمة.
وطالب متخصصون بفتح باب الاستثمارات في قطاعي الحج والعمرة بغية إيجاد مأسسة حقيقية لنوعية الخدمات المقدمة خاصة فيما يتعلق بالبنى التحتية في المشاعر المقدسة، مؤكدين أن المستفيد الأول من فتح هذه الملفات هو الحاج والمعتمر خاصة أن القيادة السعودية سخرت ميزانياتها في سبيل خدمة الحاج والمعتمر دونما النظر إلى العوائد الاقتصادية المترتبة على هذه الاستثمارات.


عوائد مقابل الجهد

وقال الخبير الاقتصادي منصور أبو رياش «إن تلك المكافآت هي ما تقدمه الدولة جراء تقديم الخدمات العسكرية والأمنية والصحية والاجتماعية والإسعافية والخدمية، فهذه تخص الدولة وعائد مقابل لجهد مبذول، وتلك الحوافز تصل إلى مليار ريال سعودي وهي دلالة واضحة على أن السعودية تقدم خدمات متميزة في هذا الإطار وتهدف بشكل مباشر إلى إيجاد خدمة نوعية تهدف إلى خدمة الحاج والمعتمر وإيجاد بيئة عمل ترتقي بالخدمات التي من الممكن تقديمها في ملفي الحج والعمرة، وهذه إجراءات تسخرها الدولة وتبذل من أجلها الغالي والنفيس لتحفيز الكوادر العاملة في الحج على إيجاد سواعد وطنية ذات كفاءة عالية في كافة المجالات التي تتأطر في هذا الملف.
وأوضح أن هناك بعضا من هذه الكفاءات رواتبها تتعدى الـ 30 ألف ريال وحينما تريد الاستفادة من تلك الكفاءة بشكل فاعل، يجب أن تقدم لها مقابل خدمتها التي يعدّها السعوديون في الأساس شرفا عظيما في خدمة الحاج والمعتمر من شأنها أن ترفع القيمة الفعلية للجودة والخدمة.
إذا ما علمنا أن لدينا 65 ألف كادر أمني بخلاف الخدمات الصحية التي من الممكن تقديمها لعلاج أكثر من مليوني حاج ومراقبة حالتهم الصحية، لافتا إلى أنه لا يتم في هذه الحسابات حساب المكافآت التي تقدم لطلاب الجامعات لأنها تعدّ خارج نطاق الحوافز الحكومية التي لا تؤثر على الاقتصاد القومي ولا تشكل في هذا الإطار بعدا اقتصاديا.
وأشار إلى أن الدولة تصرف ما مجموعه من خدمات إعاشة ومرافق للحج أكثر من ثلاثة مليارات ريال سعودي، خلاف العقود المستوطنة كعقود النظافة وعقود الصيانة للمستشفيات، وعقود صيانة المشاعر المقدسة والخيام، والطرق والكباري، فهذه مجدولة وبدون حساب، وعقود تسوير الحرم المكي ونزع الملكيات وصلت إلى 300 مليون ريال.


بلورة الاستثمار

من جهته، قال الخبير الاقتصادي فضل البوعينين إن الاستثمار في ملفي الحج والعمرة واعد ويصب أولا وأخيرا في خدمة الحاج، ويهدف بشكل مباشر إلى بلورة اقتصاد مهم في مجال نوعية الخدمات.
وأضاف «من جانب اقتصادي محض فإن موسم الحج لم يصل لمرحلة الكفاءة الاقتصادية بعد، في مردوده الاقتصادي للوطن، وحتى الآن يعدّ الموسم موسم إنفاق بالنسبة للسعودية، ولذلك تتحمل الحكومة مبالغ إنفاق إضافية لتجهيزات الحج، ولكن في مقابل ذلك من الممكن أن يتحول إلى موسم اقتصادي من الدرجة الأولى، من خلال إعادة ترتيب الوضع الاقتصادي لمنطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهنا نحتاج إلى أن تجتهد الحكومة في خلق قطاعات إنتاجية واقتصادية ذات علاقة مباشرة بهذه المدينتين فيما يخدم الحاج والمعتمر بشكل أساسي ومباشر، تقوم في الأساس على الخدمات المتعلقة بملفات الخدمة التشغيلية والجودة وقطاع الإيواء على سبيل المثال».
وتابع بالقول إن قطاع الإيواء ما زال يدار بطريقة تقليدية، ولم يصل حد الكفاءة بعد ويجب أن يكون هناك ضاحية متخصصة في الحج والعمرة وتربط بقطارات مباشرة إلى الحرم وحولت هذه الضاحية إلى منطقة إيواء متنوعة ما بين أبراج وفنادق ودور سكنية ومدن تسوق وخدمات متكاملة، والتغيرات الإيوائية من شأنها أن تحقق عائدات اقتصادية ضخمة من خلالها، وهناك إمكان خصخصة بعض القطاعات في منطقة الحرم، بحيث تقوم على أساس تجاري محض، ومن الممكن أيضا أن تكون ذات موارد اقتصادية، مضيفا «وصلنا اليوم إلى تجربة حقيقية من شأنها أن يدخل ملف الحج والعمرة إلى الصناعة الحقيقية، خاصة والسعودية تعيش في رخاء مالي ومن الممكن أن تنفق بسخاء على الحرمين الشريفين وينبغي وضع مأسسة حقيقية لهذه الصناعة التي تنعكس إيجابا على الحج والعمرة وتحويها إلى اقتصاد ديناميكي يساعد على تشغيل منطقتي مكة والمدينة والمنورة وفق أسس اقتصادية صرفة، وربما نواجه مستقبلا بعض المشاكل التي تجد داعما اقتصاديا قويا وواعدا».


إعادة الهيكلة

أما عضو المجلس الاستشاري للهيئة العليا للسياحة محمد صبح، فقال إن الدولة تبذل مليارات الدولارات على مدار العام ومن أجلها يجب الوصول إلى مستويات معيارية في تقديم الخدمات، وهناك بعض البنى التحتية تحتاج إلى إعادة هيكلة خاصة في المشاعر المقدسة، والجميع بات يرى كيف أن الطريقة التقليدية التي تدار بها الخدمات في المشاعر المقدسة، لم تعد تتواءم مع الكم الهائل ومع التحديات التقنية والتكنلوجية في مكننة المعلومات وإعادة بنيويتها.
وأضاف أن هناك من ينتظر الجودة التي باتت هدفا رئيسا في الخدمات التي تقدم للحج والعمرة، وهناك معايير للجودة العالمية يترتب عليها تقييم مستويات الخدمة، وعلى إثر ذلك يبحث الجميع عن تلك الخدمات وسبل تقديمها بشكل فاعل، وهناك شركات خاصة وعملاقة من شأنها أن تتحمل الضغط عن القطاع الحكومي وتغير في استراتيجية الإنجاز، وهنا السؤال المهم لماذا الإسهاب في المشاريع الحكومية في وقت يستطيع القطاع الخاص تحمل المسؤولية وفق المعايير التي يتطلبها القطاع الحكومي بشكل آخر، قائلا إن هناك جدوى واحدة من تلك الاستثمارات التي تبحث عن معايير الجودة الدولية والتي تتطلب عملا دؤوبا من جميع الأطراف وتصب في المجمل إلى راحة الحجاج والمعتمرين.
وأشار إلى أن الأمر برمته يجب أن يخضع لقوانين عملية استثمارية تدار رحاها بشكل متميز لتأطير العمل المؤسسي في البنى التحتية للمشاعر، حيث كانت هناك دورات مياه في المشاعر يقف على أبوابها الحجاج ساعات طويلة، مضيفا «لماذا هذه الأمور تحدث في وقت بالإمكان إسناد ملف دورات المياه في المشاعر الثلاث لشركات عالمية على استعداد لتقديم خدمات لدورات المياه بشكل مختلف وتقوم بعمليات تدوير؟ لماذا حصلت مشكلة طفح المجاري في مزدلفة هذا العام والسبب وراء ذلك يكمن في أن مشعر مزدلفة مشعر ليست فيه خدمات متكاملة بحجة أن الحجيج يمرون فقط من هذا المشعر، وهذا لا يكفي، ويجب سبر أغوار تلك المشكلة وتأصيلها وفق معايير دولية ووفق رؤى استثمارية تغطي كل الاستثمارات الواعدة التي تصب في خدمة الحجاج والمعتمرين».


يجب الخضوع للخصخصة

  • «الحج والعمرة ملفان مهمان يجب أن يخضعا للخصخصة بشكل كبير، هناك خدمات كبيرة وضخمة لا يمكن للقطاع الحكومي وحده بلورتها، الحج والعمرة ملفان مهمان وعلى صناع القرار بلورة فكرة إدخال القطاع الخاص في تطوير الكفاءة الاقتصادية والخدمية التي يطمح الجميع نحو الوصول إليها في كافة الخدمات سواء المطاعم ووكالات السفر وشركات الطيران وشركات الهواتف المحمولة التي تحتاج إلى إعادة فتح ملفات استثمارها بشكل مختلف وبشكل يبعث على الاطمئنان والراحة».

محمد صبح - عضو المجلس الاستشاري للهيئة العامة للسياحة

 

التوسع بحيز الاستثمار

  • «ملف الحج يجب أن يدخل حيز الاستثمار بشكل أوسع، والدولة علمت أن هذا واجب عليها ومنذ أن تأسست السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز يرحمه الله وهي تأخذ على عاتقها خدمة الحج والعمرة، وهي تنفق بسخاء، ولم يتحمل الحاج رسم ريال واحد، وتساند الحاج ضد المطوفين. المطوفون يأخذون 370 ريالا مقابل خدمة الحاج 40 يوما مع تسليم 7 وجبات وهنا أتساءل من يرضى أن يأخذ هذا المبلغ الزهيد؟ وكانت هناك دراسات وأبحاث تطالب برفع الرسوم على الحجاج إلا أن الدولة السعودية كانت دائما ترفض هذه الزيادة استشعارا بقيمة المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة في خدمة الحجاج والمعتمرين. السعودية تعمل بكل ما أوتيت من قوة اقتصادية في خدمة الحج والعمرة، وتقلل من التكاليف على الحاج والمعتمر، بينما البعثات ومؤسسات الطوافة التابعة للبعثات الأجنبية تقوم باستغلال الحاج والمعتمر بشكل كبير. كانت البعثات الأجنبية تستغل الحاج أسوأ استغلال، لا يمكن لأي حاج في الخارج أن يأتي إلا إن دفع 18 ألف ريال جراء قدومه للسعودية ويتعرض في إثر ذلك إلى عمليات سمسرة كبيرة».

منصور أبو رياش - خبير اقتصادي

 

رافد اقتصادي مهم

  • «موسم الحج من أهم المواسم التي من الممكن أن تدر الأموال على الموظفين السعوديين والحرفيين كقطاع الحلاقة الذي يعدّ منتجا من الدرجة الأولى لديه دخل مرتفع ومع ذلك تسيطر عليه العمالة الأجنبية، وكذلك الأضاحي، وكانت مكة قبل فترة تعدّ كل منزل منشأة لإسكان الحجاج ومنطلقا لتقديم الأطعمة للحجيج والمعتمرين، واليوم لم نعد نرى هذا الشيء موجودا في العاصمة المقدسة التي كان الحج بالنسبة لها رفدا اقتصاديا مهما». «والله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل: (الذي أطعهم من جوع وآمنهم من خوف) وكل هذا بفضل بركة البيت الذي أعطاه الله لأهل مكة، وكلنا نفهم التحسس من استثمارات ملف الحج والعمرة، لكن ما المانع إذا كان الخالق جل شأنه هو من أمر بذلك»، وفي نهاية الثمانينات الميلادية ومنتصف التسعينات كانت السعودية تعاني من شح مالي ومن عجز كبير وكانت تمنع إقامة مشروعات ضخمة في مدن سعودية مقابل الصرف على الحج والعمرة ومشاريع إنمائية في مكة المكرمة، وتوجه الأموال إلى الحرمين الشريفين، ومع هذا يجب أن نستعد لتلك الظروف التي مرت بنا سابقا، ولا يمنع أن تنفق بسخاء جراء الاستثمارات التي ستصب بشكل مباشر في ملف الحج والعمرة وعلى الحاج والمعتمر بشكل خاص».

فضل البوعينين - خبير اقتصادي