هناك مؤشرات ملموسة قابلة للمعاينة والتحقيق، منها تحديدا:
1 - تدهور وضع القراءة والتلقي، كما تشهد به دور النشر عامة عبر تدني نسب السحب والمبيعات وضعف مسالك التوزيع.
2 - تضاؤل الأنشطة الثقافية وأعداد المقبلين عليها، حتى في الحواضر الكبرى، وذلك باعتراف الفاعلين الجمعويين الذين يسر بعضهم أنه لولا دعم الدولة والسلطات المحلية لحلوا جمعياتهم وأوقفوا أنشطتهم. ويشهد على واقع هذا التضاؤل تناقص فضاءات ثقافية وتحولها إلى مقاه ومحلات تجارية.
3 - تراجع قدرة الثقافة التوحيدية أو قل الرتقية، وذلك بفعل ظاهرة التشرذم اللغوي، المتفشية باسم مبدأ التعدد والحق فيه، والذي هو في هذا المقام والسياق عبارة عن تقدد أو قددية ليس إلا. ومن ثمّ فإن من الأسئلة الملتهبة التي لا مناص من طرحها هذا السؤال: الثقافة رافعة للتنمية البشرية، نعم لكنْ أين هم الرافعون.
هناك أصناف واسعة من أصحاب التخصصات في شتى أنواع العلوم لا يمكن إدراجهم بين زمر المثقفين، وذلك لانتفاء ما يختص به هؤلاء، ألا وهو اهتمامهم بالشأن العام والتزامهم بمنظومة مبادئ وقيم يرون قيامها واعتمالها في المجتمع المدني والسياسي أمرا مؤسسا لحياته وتقدمه، هذا إلى جانب انشغالاتهم في ميدان الإنسانيات أو الفنون والآداب وحتى في مجال العلوم الدقيقة. وإذا كان تعريف المثقفين إجمالا على هذا النحو الشفعي المتلازم، فإنه لا يجوز أن ينسحب على فئات واسعة من المتعلمين، ولا على أشباه المثقفين أو السائرين في ركاب الثقافة من منظمين ومنشطين وغيرهم.
وعليه، إذ تحصّل لدينا تصور للمثقفين سلبا وإيجابا فإن الواجب البحثي يقضي بمحاولة وصف حالهم في مرآة أحداث زمانهم وتحولاته الجسام. وهذا يستلزم وقفات تحليلية وتأملية قد نقاربها في مستقبل الأيام.

