أصبح خبر حساب تويتر الذي يصف (اسمُه/ها) سيدة مطلقة تحمل الدكتوراه، وتبحث عن زوج، خبراً متداولا في الصحف (كما في عكاظ الأحد الماضي 12 أكتوبر 2014) تحت عناوين جاذبة تبعاً لقانون الخبر الجاذب في خَرْقه للمعتاد واختلافه عن السائد، ولأنه عن امرأة، والمرأة موضوع حساسية اجتماعية وثقافية بالمعنى الذكوري الذي لا تتساوى لديه جاذبية خبر عن امرأة جميلة وغنية بآخر عن امرأة عجوز وفقيرة أو مريضة، فتغدو الأولى أدعى له إلى الانجذاب إلى خبرها من الأخرى. ولذلك كان عنوان الخبر في عكاظ هكذا: “عَرَضت نفسها للزواج عبر تويتر: آلاف الخُطّاب يتنافسون للفوز بسيدة الـ100 مليون”.
لكن قليلاً من التأمل في التعريف (البايو) بحساب تويتر المذكور، يكشف عن اصطناع الحساب واختلاقه لغرض مختلف عن الغرض المعلن فيه؛ وذلك لأنه يحمل فجوات لا تلتئم مع تماسكه في اتجاه ما يعلنه بلسان امرأة تبحث عن زوج. فهي تقول: “مطلقة ولله الحمد بدون أطفال أبحث عن رجل يحبني أنا فقط. أملك 100 مليون وأكثر ورْث عن أبي رحمه الله، ولي شركة أديرها. أبي (أريد) زوج يحبني بس وبعطيه عيوني، عمري 39 أبي طفل بس. السعودية- الرياض”.
فصفات المرأة المعلنة هنا تجعل بحثها عن زوج بواسطة حساب باسمها في تويتر ضداً لصفاتها من جهة، وصفاتها من جهة أخرى ضداً لبحثها عن زوج في تويتر. إنها ليست -مثلاً- في حاجة إلى إعلان ثرائها من أجل هذا الغرض. ولماذا احتاجت إلى البحث عن الحب والإنجاب عبر التواصل الإعلاني والهاتك للخصوصية في تويتر؟!
وإذا كان الغرض أكذوبة، وكانت صفات المرأة تلفيقاً، والحساب من أصله مختلقاً، فما الغرض الفعلي لهذا الحساب، وماذا يريد؟! لا بد أن يلفتنا الاهتمام الذي حظي به الحساب، في متابعته وفي التفاعل مع تغريداته وتبادل الحوار معها. وهو اهتمام استثار المنافسة له، فظهرت معرِّفات تحمل الاسم والتعريف والصورة نفسها، لكن من دون أن تحظى بما حظي به المعرِّف الأصلي من اهتمام. ويمكن أن نقول إن الغرض هو التسلية، وكَسْب الأتباع، وإحداث إثارة يكون مركزها صاحب المعرِّف نفسه. أو نقول إنه ذريعة لابتزاز بشكل أو آخر، أو للوعظ. ولكن الموضوعات المختلفة التي أثارها الحساب بينه وبين أتباعه، تحمل نَفَساً نقدياً وجدلياً وتفيض فيما بينهما بالسخرية والمساءلة.
كان أحد محاور الجدل في الحساب المذكور، مسألة المرأة المرغوبة للاقتران الزوجي؛ فصاحب الحساب في تمثيله/ها للمرأة يروي بلسان اعترافها أنها صنعت حساباً من قبل، وكذبَتْ فكتبت أنها مطلقة ومديونة “ولا أحد أعطاني وجه، ويوم إني كشفت أوراقي تسدحوا قدامي”. وتقول لخُطّابها: “ولا واحد فيكم حبني لأجلي همكم المال..”. وهناك أسئلة تتهم نسبها، وأخرى بألسنة ذكور تشحذ منها أي تطلب صدقة، إضافة إلى طغيان نغمة الفحولة واحتشادها بشكل يستدعي الرثاء!
إن هذا الحساب نموذج من الطرق التي تبتكرها وسائل التواصل الاجتماعي على أيدي هواة يملكون حاسة صحفية وبحثية، لإضاءة السلوك الاجتماعي والثقافة المرتبطة به تجاه المرأة وتعريته.