من سوق السويقة، الذي يقع في الجهة الشمالية للمسجد الحرام، بدأ مشوار رجل الأعمال عبدالله مشاط، عندما كان يعمل مع والده في التجارة، وهو صغير، ويرش الماء على الأرض الترابية في ممر السوق حينها، لتلطيف أجواء السوق الذي كان يعتبر النقطة الرئيسية التي تنطلق منها تجارة الجملة، حتى إن مدينة جدة، المتصدرة في تجارة الجملة حاليا، كانت تستورد بضائعها من السوق نفسه، الذي تتنوع بضائعه بتنوع حاجات الناس البسيطة حينذاك، ومن ذاك الحراك التجاري متعدد الأنشطة اكتسب «المشاط» أساسيات التجارة، وتعلم أصولها وفنونها، محتفظا بخبرات 50 عاما قضاها في التجارة، اختزل خبراتها عبر السنوات الطوال، ليصل بها اليوم إلى بر الأمان كما وصل معه الكثير من أبناء تجار سوق «السويقة»، الذي أزيل قبل 55 عاما تقريبا، بعد أن ورث للأبناء مهنة الآباء، واستمروا بها، لتزيد السنوات في المعدل التراكمي للخبرات التي لم تتغير في مضمونها ومحتواها، وإن تغير زمانها ومكانها، تظل باقية على رأس الهرم تمارس نشاطها، وتميزه بمسميات لكي يسهل على الزبائن طلبها في المرات القادمة، استورد بضائعه، من دول عديدة، منها الصين واليابان وكوريا، معتمدا في المقام الأول على جودة المنتج، وكانت تأتي البضائع المستوردة عبر البواخر القادمة إلى ميناء مدينة جدة ومنها إلى مكة المكرمة، ثم توجه للخامة اللبنانية، واستورد من نسيجها أناقة دامت سنوات، بعدها غاص في بحر الصناعات العالمية، وهو يقف بابتسامة عريضة، ولدتها الثقة بالنفس والخبرة السوقية التي تراكمت عبر حقبة من الزمن لتحقيق النجاح، وقف على كل منتج يضيف إلى علامته التجارية رمزا أو قيمة.
تعرف على ذائقة الناس وابتكر العديد من الموديلات المختلفة التي كان يرسلها إلى مصانع عالمية، تقوم بتنفيذها بحسب المواصفات المطلوبة، ثم طرحها في السوق المتعطش للسلع قديما، والذي يأتي على عكس حال أسواق اليوم، التي أصبحت تغرق في المنتجات والسلع المختلفة.
ووصل الحال بذاك الفتى الذي كان يرافق والده في تجارته بسوق «السويقة» ويرش الماء في ممراته، وهو صغير، أن يقف اليوم رئيسا لعدد من الشركات المنتجة، التي أحدثت فارقا كبيرا في النهضة التجارية، في مسيرة حافلة دامت نصف قرن، موجها النصح لكل من هو في خط البداية، بالتريث والصبر، وعمل جدوى اقتصادية لكل مشروع، خصوصا في وقتنا الحاضر، وأوجب على كل من يريد أن يسلك حرفة التجارة، توفير الخبرة اللازمة، قبل رأس المال، وأن يهتم بالجودة، ويرضى بالقليل في سبيل بيع الكثير، وألا يتجاوز الخطوات التصاعدية لسلم النجاح، خشية ألا يقع من السلم، وبين أن الصدق والأمانة في التجارة هما ركيزتان أساسيتان لكل تاجر نجح في تجارته.