امتطيت صهوة سيارتي الصغيرة والتي بالكاد تجتاز مطبات شوارعنا المجاورة، فما تكاد تجتاز مطبا وضعته البلدية - حفاظا على أرواحنا كما تقول - حتى يلتقينا المطب الآخر مرحبا بي ليرفع سيارتي إلى الأعلى ثم يرمي بها جانبا وكأنها كسرة حصاة صغيرة، أما عقالي فلا تسألني عن أوضاعه بعد كل مطب، فتارة أجده في المرتبة الخلفية وتارة أخرى التقطه من بين قدمي.
توقفت إلى جوار أحد الصرافات السماوية اللون لعله ينفحني ببعض النقود التي سأشتري بها أضحيتي، ولكن يا لسوء حظي لقد كان الجهاز خارج الخدمة، عدت إلى سيارتي ووعدتها بأن الصراف المقبل سيكون جاهزا وفي نطاق الخدمة ولكنها على ما يبدو لم تصدقني، فاجتازت أول مطب بوحشية متناهية لدرجة أنني تخيلت نفسي وقد أصبحت رائد فضاء، ولكن توهمي هذا لم يدم طويلا بعد أن ارتطمت سيارتي بالأرض مرة أخرى، فحمدت الله على السلامة واتجهت بها إلى صراف آخر، وقد تفاءلت خيرا عندما رأيت لونه الأخضر الزاهي، ولكن تفاؤلي تبخر عندما قال لي أحدهم: لا تتعب نفسك فالجهاز عطلان.
لم أخبر سيارتي هذه المرة وذهبت بها سريعا إلى محطة وقود متواضعة تقع في ناحية قصية من الحي المجاور، وكنت قد رأيت ذات مرة أن هناك صرافا منزويا عن الأعين لعلي أجد فيه مبتغاي، ولم يخب ظني هذه المرة فقد استللت منه قيمة أضحيتي ثم انصرفت.
في سوق الغنم لا صوت يعلو على صوت أهل الحلال، فهم أسياد السوق اليوم بلا منازع، لم يكن السوق ليعطيك الفرصة لالتقاط الأنفاس، فالأسعار تكاد تحرق الجيوب والروائح النتنة تكاد تخنق الصدور.
التفت إلى أحدهم وهو ينادي بأعلى صوته: يا ولد مدّ أم الشحم! لم أكن لأقف له لولا أنني رأيته وقد كاد ينتزع جلد الخروف عندما يرفعه إلى الأعلى ثم يعيده إلى الأسفل بحركة سريعة، كان مبالغا في سعره إلى درجة أنه كان يصرخ ولا يلتفت له أحد.
قلت له مهدئا بعد أن استشاط غضباً من السعر الذي أعطيته لخروفه: صلي على النبي يا أخي، فقال غاضبا: وأنت ورى ما تصلي على النبي، تركته بعد أن صليت على رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ويممت شطر راعي الوانيت الذي كان يراقب جدالنا عن كثب، كان هادئا ورزينا ويبدو أنه جاء إلى السوق من خارج المنطقة فهيئته وحسن منطقه يدل على ذلك، أشار إليّ ثم قال: تعال يالخو عندي طلبك، فصعدت إلى الوانيت واخترت أضحيتي بكل هدوء، كانت أسعاره معقولة بعض الشيء مقارنة بالبقية الذين كانت أسعارهم تفوح بالجشع والطمع والاستغلال.
صباح العيد كان يوماً مختلفاً فكل العمالة الذين يقطنون حينا من سباكين ولحامين وكهربائيين وبنائين ومليسين قد أصبحوا جزارين بين عشية وضحاها، ولا تكاد تمر بشارع من شوارع حينا إلا وترى السواطير وهي تلوح بأيدي هؤلاء العمالة.
سألت أحدهم بعد أن أوقفني بإشارة من ساطوره: «كم يا صديق أنت يذبح؟ «ميه ريال» قالها بسرعة وهو يلوح لصاحب سيارة أخرى.
لم يكن الوقت ولا المكان ولا الساطور الذي في يده يسمح لي بالمجادلة حول السعر، ولم يكن أمامي إلا خياران أحلاهما مرّ، إما أن أقبل بهذا السعر المرتفع وإما أن أذبح أضحيتي بيدي، فانصرفت مردداً قول الشاعر:
إذا لم يكن غير الأسنة مركبا فما حيلة المضطر إلا ركوبها.