منذ سنوات قريبة تداول المثقفون – هنا مصطلح "التنمية الثقافية"، وكان تداولا معبرا عن حاجة المجتمع إلى رؤية فكرية صحيحة تعكس مظاهر النمو التي اقتحمت علينا مجتمعا كان يقبع، إلى فترة قريبة - في سكون التاريخ وفراغ الصحراء.
.
لقد تبدل ذلك المجتمع وتغير.
.
حتى إن طالبا سعوديا كان قد غادر بلاده قبل عشرين عاما لمواصلة دراسته الثانوية والجامعية والأكاديمية.
.
وما إن رأى ما رأى .
.
حتى صرخ مندهشا مبهورا: هل أنا حقا في المملكة؟!
لقد تغيرت عليه أشياء كثيرة.
.
وفي علم الاقتصاد والاجتماع.
.
فإن المتغيرات المادية التي تتعرض لها بنية المجتمع وذهنية أفراده.
.
تؤدي – شئنا أم أبينا- إلى متغيرات كيفية تنعكس في رؤية المجتمع الجديدة إلى الحياة والكون والعالم.
.
وهذا ينعكس– بالتالي – في رؤيته إلى نفسه من الداخل.
من هنا تولدت تلك الرغبة الجامحة في أوساط المثقفين إلى ضرورة انتهاج تنمية ثقافية توازي وتعضد التنمية المادية.
.
وتعبر عن تطورها التاريخي في المجتمع السعودي الذي غدا يعيش أنماطا جديدة من التصرفات والسلوكيات وطرق التفكير والعمل.
وقد كان من بواعث هذا التوجه.
.
اكتظاظ الجامعات السعودية بركام تاريخي من أصحاب الشهادات العليا الذين عادوا إلى البلاد.
.
وجابوا العلم بالواد.
.
مشكلين استثمارا وطنيا للتنمية وتطور العوائد الاقتصادية.
.
لقد كان هؤلاء تعبيرا جديدا عن عملية التطور والتنمية.
.
غير أنه في الوقت الذي كان ينتظر من هؤلاء ممارسة دورهم التنويري والتاريخي في إنضاج مظاهر النمو على صعيد اجتماعي وثقافي حيد هؤلاء دورهم ووقفوا متفرجين على ما يحدث!
حينها كانت الفرصة متاحة بشكل محدود في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى كأدوات توصيل واستنارة، وقد تمكنت مجموعة قليلة من دكاترة الجامعات وعدد من المثقفين والمبدعين من ذوي التثقيف الذاتي من طرح تصوراتهم ورؤاهم وفهمهم لقضايا اجتماعية وثقافية ووطنية وأدبية، غير أن هذا الدور كان منقوصا إذا ما قسنا اللحظة التاريخية التي مر بها المجتمع السعودي وكان قاب قوسين أو أدنى من التماذج بالعالم والتصاهر مع مظاهر الحضارة الحديثة.
وبمعنى ما.
.
وجدنا الدولة تقوم وحدها، تخطط وتبرمج، تعلم وتعمل .
.
تقدر وتفكر.
.
وظل المواطن – والمواطن المثقف بشكل خاص – في موقف المتفرج.
.
إنه يستهلك ويهمش ذاته بنفسه.
.
الكل ينتظر راتبه آخر الشهر.
.
والكل ينتظر الحصول على البدلات والمكافآت والترقيات.
.
وانغمر هؤلاء بفردوس التنمية، تاركين الدولة تقف وحدها أمام تحديات المغامرة.
.
مغامرة التحديث والتنمية.
***
لقد كان مفترضا أن يشكل الركام التاريخي من الأكاديميين والمتعلمين والمثقفين المراهنة الحقيقية لمشروع الدولة.
.
أو قل إن هذه القوى الاجتماعية الجديدة التي كانت استثمارا تاريخيا لمعطيات التنمية الوطنية، كان ينبغي أن تشكل إطارا وطنيا لمشروعات التنمية والتحديث.
.
فالقوى البشرية هي موضوع التنمية، هي المضخة، هي العائد التاريخي والاستثمار المستقبلي، غير أن ما حدث هو أن بقيت هذه إما تندب حظها لأنها لم تنل الفرصة!! وإما أنها تنصلت عن مسؤوليتها التنويرية والثقافية والإصلاحية، وبقيت تتلجلج بين هذا الموقف أو ذاك.
.
تنتهز الفرصة، وتركب الموجة، والكل مشغول بمصالحه الشخصية.
من هنا انتفى دور النخبة.
إنك لن تجد طلائع مفكرة وذات مشروع فكري نظري تقود المجتمع إلى واجهة العصر والمتغيرات الجديدة في هياكل الثقافة والمعرفة العالمية.
ورغم الفارق التاريخي والنوعي بين بداية النهضة العربية "المصرية" أو الشرقية "اليابانية" إلا أننا لن نجد مفكرا نهضويا بحجم "رفاعة رافع الطهطاوي" أو علمية "طه حسين" المنهجية، أو موسوعية "العقاد" الثقافية، هذا في الحين الذي ينبغي أن تكون بدايتنا قد استفادت مما انتهى إليه الآخرون على امتداد الوطن العربي.
ولا سبيل – هنا- إلى ذكر أن الظاهرة الثقافية في المملكة كانت وما تزال تكرارا لا تاريخيا للظاهرة الثقافية العربية المعاصرة!!
فهذا أمر ملموس مكرور .
.
وله أسبابه التي قد نتناولها في موضع آخر.
**
غير أن ما هو حري بالحديث والتأمل.
.
هو: لماذا لم تشكل هذه القوى الاجتماعية الجديدة في الأكاديميين والمتعلمين والمثقفين تيارا جديدا ينسجم مع تطلعات الدولة في عملية التنمية والتحديث؟ ولماذا انسلخت عن إطارها؟ ولماذا تنكرت لمفاهيمها وقناعاتها؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة هي التي تجيب على الدور المفقود في مواجهة المثقفين والمتعلمين لهؤلاء الذين ينقنقون تحت جنح الظلام الاجتماعي والثقافي.
.
.
ومع الأخذ بالاعتبار أن هؤلاء المثقفين والأكاديميين لم تتح لهم فرص التعبير الكامل في الصحافة وأجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، إلا أن جعل الدور متروكا لفئة من الأقلام المسعورة ضد كل ما هو جديد وجميل ومشرق لأمر يدعو إلى التساؤل في مصداقية فكر هؤلاء المثقفين والأكاديميين.
فالثقافة موقف.
.
والمثقف هو الذي يفعل، ولكن الذي يفعل هو الذي يرى أولا.
.
فهل توفرت الرؤية الموضوعية لمثقفينا.
.
أم نحن مثقفون بلا منهج.
.
وهنا تكمن العلة؟
* *
إنه من الخطورة بمكان وبلادنا-اليوم – تحتل سمعة دولية مرموقة.
.
أن نجد كتابا يقلمون أظافر التاريخ ويحدون من حركة الوعي العام، بل إن واحدا من هؤلاء رهن وجود العالم والفكر والتاريخ- ضمن حس استعلائي- بموهبته المبتسرة وقلمه المريض.
.
فحين يكتب الدكتور عبدالله العذامي – مثلا- كتاب "الخطيئة والتكفير" ويضمنه منهجا نقديا جديدا- هو مجال للأخذ والرد- نجد صاحب هذا القلم جاهزا في الانقضاض على الرجل الأكاديمي وطعنه في معتقده الديني، وخدش شرفه العلمي.
.
لمجرد أنه اختلف وإياه في مسألة لا تتعدى فهم ظاهرة شعرية برؤية نقدية جديدة!!
وحين يحاول سعيد مصلح السريحي استيعاب منهج أكاديمي جديد في تفسير ظاهرة تراثية يرشق بأقذع التهم، وتتعرض رسالته الأكاديمية للطعن، وتقوم الجامعة بإنهاء عقد المشرف على الرسالة .
.
لا لشيء .
.
إلا لأن الأستاذ وتلميذه حاولا تطبيق منهج نقدي لفهم أبي تمام فهما جديدا.
.
جعل من الشاعر العربي القديم يقارب الشاعر العربي المعاصر في محاولة إعادة إنتاج اللغة والتراث بما ينسجم مع موهبتهما وحساسيتهما التاريخية والاجتماعية في كتابة الشعر!!
.
.
ويصل ترمومتر الطعن والتشكيك إلى درجة خطيرة ومضحكة في آن واحد.
.
فإذا محمد الجحلان واحد من أعتى الماركسيين !! قرأ انجلز وماركس، وآمن بالمادية الجدلية .
.
لأنه قال إن شعراء الحداثة حتمية تاريخية!!
والعجيب في الأمر أن هذا الرجل يوزع تهمه على المواطنين من ذوي الأقلام المستنيرة ويفرغهم من مواطنيتهم .
.
ودينهم.
.
وتاريخهم .
.
وكأنه المواطن الأوحد الذي يوزع صكوك المواطنة على البعض ويحجبها عن آخرين!!
فمن هو هذا الرجل الذي وضع نفسه في هذا الموقف التاريخي الغامض؟
إنه يمارس كل هذا في جريدة سيارة مثل "الندوة" بلا رقيب أو حسيب .
.
بل إنه يحاول أن يبدو أمام القراء وكأنه هو الذي يصنع العمل الصحفي والثقافي في الجريدة، ويرسم توجهاتها، بل ويشحن قلوب كثيرين على طريقة الذي يمشي في اتجاه معاكس لتيار التقدم الاجتماعي والثقافي في بلادنا الغالية.
* *
من هنا أدعو جميع المثقفين والأكاديميين ممن يتوجب عليهم صناعة التغيير الثقافي في البلاد انسجاما مع صناعة التغيير الاجتماعي التي قادت برامج الدولة الإنمائية، وحين أدعو مثل هذه الدعوة فإنني أجد في مثل هذا القلم المسعور بنباح الظلام عائقا يقف ضد ما ينبغي أن يكون عليه وطننا الذي يتطلع دائما إلى النور والحب والمستقبل.
نعم.
.
إن المثقفين والأكاديميين المستنيرين مدعوون – اليوم – لريادة العمل الثقافي والاجتماعي وبث روح التغيير والتقدم في المجتمع عبر وسائل الإعلام والصحافة التي ينبغي أن تخضع لإعادة تركيب، حتى تكون قادرة على تمثل ما حدث في البلاد من تقدم حضاري وتغيير اجتماعي وبوادر إيجابية في العمل الثقافي الذي أصبح يحتفى به عربيا.
.
ولو كره الكارهون.
وعند ذاك يتحقق أول مطلب من مطالب التنمية الثقافية التي بتمثلها سوف تحقق التنمية المادية أهدافها في الراهن والمستقبل.
هؤلاء..وتقليم أظافر التاريخ!!
6 دقائق للقراءة

حجم الخط
