تلعب وسائل التقنية والتواصل الاجتماعي - على اختلافها وتنوعها - في عصرنا هذا دورا كبيرا وواضحا جدّا في تحقيق نوع من الاتصال المباشر والآني مع مختلف الناس والبلدان والعلوم والثقافات؛ حيث أصبح في جيب كل إنسان مركز معلومات متجدد ومتنقل، وأصبح الواتس أب - على وجه الخصوص - رفيق درب الإنسان الذي لا يغادره أينما كان، كما أنه أصبح وسيلة إعلام وتعليم وتثقيف، وهو شيخ وسائل التواصل الاجتماعي كلها؛ فهو ينقل بسهولة وسرعة ما يتضمنه تويتر والفيس بوك وغيرهما.

وتحمل هذه الوسيلة التقنية العصرية (الواتس أب) - بلا شك - في دقائق محتوى كبيرا جدّا ومتنوعا ومتعدد الصفات والملامح، ويدمن الأطفال والشباب مطالعة ومتابعة هذا المحتوى الإلكتروني المعرفي المليء بهذه المعارف والأحداث والأخبار والنصوص والصور المتنوعة، ويتبادلون هذه المعرفة وهذه المعلومات والأفكار بشكل مستمر، وعلى النحو الذي يؤكد دور هذا المحتوى الإلكتروني المتنوع في تشكيل شخصية الإنسان، والتأثير في تشكيل مجتمع المستقبل، وتحديد اتجاهاته.
ومع الإيمان بأن هذه الوسيلة يمكن استثمارها إيجابيا لتكون وسيلة تعليمية وتثقيفية نافعة وناجحة ومثرية، ويمكن تحقيق نتائج إيجابية في هذا المضمار في ضوء ما نلمس من تجارب ونماذج، وإن كانت قليلة، وفي ضوء ما طالعتنا به بعض الدراسات التربوية المبنية على الواقع، فإنه يبدو الإشكال في هذا الجانب في كون أكثر (وليس كل) الأطفال والشباب يتداولون - للأسف - في هذا الإطار محتوى معرفيّا ومعلوماتيّا وثقافيّا أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه سطحي، وهزيل، وخال من الهدفية الإيجابية أو الفائدة، فضلا عن سيطرة الجانب الهزلي عليه، وبروز ظاهرة التهكم بالآخرين على اختلاف الأجناس والمناطق والدول، واختزال القدوة الإنسانية في الشخصية الهزلية أو الفوضوية، وعدم الاعتداد بالعلم والتعليم، والاحتفاء بثقافة الفوضى، وعدم الانضباط، وعدم الحرص على النظام، بما يشكّل أمام المتلقي صورة لشخصية تفقد رسالتها وأهدافها في الحياة، وكأنها مجرد كائن وجد في هذا الكون ليأكل ويشرب ويفعل ما يريد، ويتجاوز الأمر هذا الحد إلى ما يصادم الدين والأخلاق ويشكل الشخصيات العدوانية وربما غير السوية مما يتضمنه محتوى هذا (الواتس أب) المتدفق.
ويبدو أثر ما تحمله هذه الوسيلة من محتوى على الجيل الحالي واضحا، وإن كانت النتائج المستقبلية ستكون أكثر وضوحا وعمقا؛ وذلك إذا ما نظرنا إلى حداثة وجود هذه الوسيلة نسبيّا، فمعظم الألفاظ المتداولة بين الشباب والأطفال هي مستقاة من لغة هذا المصدر المعرفي الإلكتروني، فضلا عن شيوع العبارات والأساليب والسلوكيات التي تنطلق من الذات، ولا تعبأ بالآخر، وعلى المستوى النفسي بدأنا نشاهد حتى على مستوى الأسرة الصغيرة حالات من الانطواء والرغبة في الانعزال والهروب من المجموعة، وحالات من عدم الرغبة في الحديث مع وجود رغبة كبيرة في المطالعة والاستماع؛ فصرنا أمام إنسان مستمع وغير متحدث.
وعليه فإن آثار “الواتس أب” في الجانب العلمي والجانب الاقتصادي والجانب السلوكي وكذلك الجوانب النفسية والاجتماعية هي آثار ملحوظة وواضحة ولا يمكن تجاهلها، وينبغي ألا يتم تناولها من خلال الملاحظة العابرة (كما في هذا المقال)، وإنما من خلال بحوث ودراسات جادة تجعل من الجوانب السابقة على اختلافها مادة لها، محاولة أن ترصد الواقع، وتعمل على الاستفتاء والتجريب، وفي ضوء النتائج يمكن أن تكون هناك حلول عملية تعمل عليها المؤسسات المعنية، لعله يتم من خلالها استثمار العلاقة الحميمة جدا بين الأطفال والشباب وهذه الوسيلة المحببة إليهم.
لقد انتهى زمن المنع أو الإيقاف، وصار هذا القرار صعبا جدّا سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى الفرد والأسرة، وصرنا أمام معطيات وتحديات فرضت وجودها، وليس لنا خيار سوى القبول بهذه الوسائل والاستفادة منها على النحو الذي يخدمنا ويخدم الإنسانية، ولكن هذا لا يعني إطلاقا الاستسلام التام لهذه المستجدات والإذعان لها، ولذا فإن قياس الواقع ورصد حركته أمر ضروري وملح، وذلك للتنبؤ بالمستقبل، وللحد من السلبيات، وربما لتحويل هذه السلبيات إلى إيجابيات.