حكاية المفاوضات مع المتشددين والقوى المعادية للدولة ليست جديدة في أفغانستان. لهذا الغرض تم تشكيل مجلس حكماء القبائل (الجيرجا) والمجلس الأعلى للسلام، ولذلك أيضا أطلق سراح المئات من حركة طالبان من السجن، لكن العملية كلها لم تتحرك من مكانها بعد. منذ تشكيل هذه الحكومة الديمقراطية، بُذلت جهود كثيرة للبدء في مفاوضات مع طالبان ولكن لم يتحقق شيء ملموس سوى إنفاق ملايين الدولارات لعقد العديد من الاجتماعات والقيام بزيارات إلى خارج البلاد وإطلاق سراح عناصر من طالبان.

بعد وصول نواز شريف إلى السلطة في باكستان هذا العام للمرة الثالثة، كان متحمسا لإنهاء التدهور الأمني الخطير الذي تشهده باكستان، ولذلك سارع بالدعوة إلى مؤتمر تحضره جميع الأطراف في باكستان لحل المشاكل مع طالبان باكستان. في هذا المؤتمر، جلس جميع القادة الباكستانيون البارزون مع بعضهم بعضا ضمن إطار واضح للطريق الذي ستسلكه المفاوضات مع طالبان باكستان. هذه المحادثات كانت موضع اهتمام واسع من قبل الإعلام والجهات السياسية في أفغانستان لأن حركة طالبان باكستان لها علاقات قوية مع حركة طالبان أفغانستان، وأي جهود ناجحة يمكن أن تمنح فرصة لنقل نفس المبادرة إلى الأراضي الأفغانية أيضا.
المؤتمر انتهى بتعهد بانتهاج برنامج عمل موحد في المفاوضات مع طالبان باكستان وإنهاء أعمال العنف التي راح ضحيتها الآلاف. المواطنون العاديون والإعلام عبروا عن سعادتهم لأن نجاح المؤتمر وتنفيذ مقرراته سيؤدي إلى إنهاء أعمال العنف المستمرة منذ عقد من الزمن. لكن هذه السعادة تلاشت عندما هاجمت حركة طالبان قافلة للجيش الباكستاني وقتلت ضابطين كبيرين بالإضافة إلى عدد من الجنود. وجاءت الضربة الثانية عندما تعرضت مدينة بيشاور الباكستانية إلى ثلاث هجمات انتحارية ضخمة ذهب ضحيتها نحو 100 قتيل من المدنيين. ومع أن طالبان نفت مسؤوليتها عن الحادث، لكن الإعلام لم يجد جهة أخرى لإلقاء اللوم عليها.
بعد كل هذا أصبحت الظروف أكثر سوءا لدرجة أن المفاوضات أصبحت تجري خلف أبواب مغلقة وأصبحت مثل باقي المحادثات الأخرى التي أجرتها الحكومة الباكستانية مع طالبان باكستان ولم تتمكن أي منها من تحقيق أي نجاح يذكر. الجدير بالذكر هنا أنه بالإضافة إلى سلسلة المحادثات العديدة مع المتشددين، قامت الحكومة الباكستانية بعدد من العمليات العسكرية. وبحسب آخر التقارير الصحفية الواردة من المنطقة، لا تزال القوات العسكرية الباكستانية منتشرة في منطقة سوات الحساسة التي كانت طالبان تسيطر عليها سابقا. عندما يجلس الطرفان إلى طاولة المفاوضات، يضع كل منهما مطالبه ويحاولان الاتفاق على شروط مقبولة للطرفين. الحكومة الباكستانية تريد إيقاف العنف والتفجيرات الانتحارية، قبول سيادة القانون والقضاء وسلطة الحكومة في جميع أرجاء البلد، بالإضافة إلى مطالب أخرى مشابهة. أما حركة طالبان فإن لديها قائمة طويلة من المطالب تتضمن إطلاق سراح المساجين المنتمين لحركة طالبان، إنهاء العمليات العسكرية، ومطالب أخرى. جميع هذه المطالب يمكن الاتفاق عليها، بشكل أو بآخر، بالتوصل إلى حل وسط، باستثناء طلب واحد لا يمكن للحكومة الباكستانية أو الأفغانية أو لأي دولة في العالم أن تقبله وهو إلغاء نظام الحكم الديمقراطي والدستور وإقامة نظام حكم إسلامي. عندما نتحدث عن نظام حكم إسلامي فإنه بلا شك أمر لا يرفضه أحد في باكستان أو أفغانستان من حيث المبدأ، لكن السؤال المهم في هذه القضية هو: إلى أي حد تستطيع حركة طالبان أن تقدم التفسير الصحيح والتطبيق السليم للإسلام؟ وهل بإمكان الحركة أن تقدم شكلا عمليا للدولة الإسلامية والأنظمة الشرعية الحاكمة؟ وإلى أي مدى تستطيع الحركة تطبيق الشريعة؟
في جميع الأحوال، هذه القضايا شديدة التعقيد وقد كتب كثيرون عنها من محللين ومراقبين سياسيين. بغض النظر عن الاستراتيجية التي سيتم تطبيقها، فإن الإخلاص والنزاهة هي أهم شرط لنجاح مثل هذه المحادثات. يقال أيضا إن هناك عددا من وكالات الاستخبارات العالمية مرتبطة مع المتشددين في حركة طالبان ويدعمونهم بشتى الوسائل لإفشال المحادثات. لذلك يجب كشف هذه الأجهزة المخابراتية العالمية بشكل علني ومنعها من التدخل في الشؤون الداخلية لإعطاء فرصة لهذه المحادثات بالنجاح. القوى العالمية التي تدعم المتشددين بشكل سري يجب أن تتوقف عن ذلك من أجل تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. يجب تدمير الملاجئ والملاذات التي يلجأ إليها هؤلاء المتشددون في أي مكان من العالم. وأي جهد من هذا النوع يجب أن يكون نزيها وصادقا، وعلى الشعب ألا يُخدع مرة أخرى ويعتقد أن مجرد إجراء المحادثات بين الطرفين يكفي. إن المحادثات هي مجرد وسيلة، ولا قيمة لها إذا لم تحقق نتائج ملموسة على الأرض.

- أكاديمي وكاتب أفغاني (ديلي آوتلوك أفغانستان)