ليس كل ما يسمع يقال، وليس كل قول يَصدُق، وليس كل ما يَصدق حقيقة، وليس كل حقيقة مثبتة، وليس كل مثبت ثابتا، ولا كل ثابت يُميز، ولا كل ما يميز يُعرف، ولا كل ما يُعرف يقال، ولا كل ما يقال يُكتب، ولا كل ما يُكتب بيّن، ولا كل بيّن صالحا، ولا كل صالح مفيدا، ولا كل مُفيد غاليا، ولا كل غالٍ له ثمن، ولا كل ثمن جزلا، ولا كل جزل مُرضيا، ولا كل مُرض عادلا، ولا كل عادل مُطلعا، ولا كل مطلع مثقفا، ولا كل مثقف جزلا، ولا كل جزل عاقلا، ولا كل عاقل ناطقا، ولا كل ناطق أمينا، ولا كل أمين وفيا، ولا كل وفي شجاعا، ولا كل شجاع حكيما، ولا كل حكيم عالما، ولا كل عالم متيقنا، ولا كل متيقن حرا، ولا كل حر عفيفا، ولا كل عفيف شريفا، ولا كل شريف قانعا، ولا كل قانع إنسانا، ولا كل إنسان رحيما، ولا كل رحيم مطمئنا، ولا كل مطمئن مؤمنا، ولا كل مؤمن...
الحلزونة لا تنتهي، وكان لا بد لي أن أقص ذيلها في منطقة ما، ولكني شعرت أنها عندما تُقص عند كلمة مؤمن، فإني بذلك أترك لكم تتبع بقية لفات الحلزونة، لتكملوها أنتم بوعيكم، ورشدكم، ويقينكم عما يجب أن يكون عليه الإيمان الحقيقي، من صفات يجب أن تتوفر فيمن بلغ مرحلة الإيمان، وهي مرحلة جليلة عظيمة، تحمي الإنسان من نفسه وهواها، وتجعله قانعًا بأنه مجرد إنسان، لا فضل له على أحد، ولا سيطرة له على أحد، وأنه مسؤول عن نفسه، فإن صلحت فله، وإن فسدت فعليه، مؤمن لا يرتضي أن يشارك في أذية لأي مخلوق على وجه الأرض، ولا يمكن أن يكون سببًا، ولو بكلمة عابرة، في سفك دم، أو هدم جمال، أو تبديد حياة خلقها الله لتكون لا لأن ننهيها.
الحلزونات هي ثقافة عصرنا الحالي، عصرُ اللسان وهجر العقل، وهي سبل لزجة تتأرجح فيها الأنفس المريضة، العاشقة لقلب الحقائق بالتلاعب بالكلمات والصور، والراغبة في الوصول إلى مرادها مهما كان هدفها خبيثًا، ومهما طال بها الأمد لبلوغه، ومهما صعبت الدروب وأعجزها المنطق، فيتغابون، متغلبين على استقامات الحقائق، بالالتفاف على الحلزونات ودوخاتها، حتى لا يعود تمرير كذباتهم مستحيلًا.
ونصيحتي أن تحذروا عاشقي الحلزونات، فهم يحيطون بكم من كل منسم، فلا تسمحوا لهم بتدويخكم، ثم غسل أمخاخكم بلزوجة الدروب الحلزونية.
ما أحلى الدروب المضيئة المستقيمة، التي تجعلنا نسير بنور المنطق، والعقل، والعلم، والحكمة، وما أجمل الأقدام الراسخة على طرق الحق، وما أحلى أن نثق بما نفهم وما نقول ونعمل، وأن نعرف ماذا نريد، بعقول لا تعرف الحلزنة، ولا تعشق التمرجح بين الحقائق وأضدادها، متشبثين بحبال الوهم، وقواقعها الحلزونية.