في عام 1985م بدأ معرض المملكة بين الأمس واليوم، واستمر نحو سبع سنوات حسبما أتذكر، وقد قدم المعرض في عواصم العالم التي زارها صورا حية عن نهضة المملكة ومقدساتها، وآثارها وثقافاتها وفنونها ... الخ، وقد حظي بإعجاب الكثيرين ممن زاره، وكان زواره بمئات الآلاف، لكن كانت هناك مفارقة طريفة وغير منطقية، فأولئك الذين أعجبوا بما قدمه المعرض، ورغبوا في رؤية الشواهد المتنوعة التي قدمها على الطبيعة، لم يجدوا فرصة لذلك، لأن أنظمتنا لا تمنح تأشيرة إلا للحج أو العمرة أوالعمل، وكان السؤال المنطقي: لماذا نعرض شواهد بلادنا الحضارية للعالم، وننفق ملايين الدولارات على تلك العروض، ثم لا نسمح لأحد بزيارتها؟ ما الفائدة المتوخاة من ذلك؟ ثم ما المشكلة من السماح لهم بالزيارة والسياحة؟
وفي عام 2005م، سعى رئيس هيئة السياحة والآثار الأمير سلطان بن سلمان، إلى إصدار (التأشيرة السياحية)، وتم تطبيقها للدول التي لا يخشى تخلف مواطنيها عن العودة إلى بلدانهم، وأتيحت (التأشيرة السياحية) لدول أوروبا وأمريكا وكندا وبعض دول أمريكا الجنوبية، ودولة جنوب أفريقيا، واليابان والصين وكوريا الجنوبية وبروناي وماليزيا، وفعلا بدأت الوفود السياحية من تلك الدول، ولم نقرأ أو نسمع أن أحدا من تلك الوفود تخلف عن العودة إلى بلاده، أو تجاوز أنظمة المملكة، بل قرأنا أن انطباعاتهم كانت جميلة، وأن بعضهم قرر أن يعود عدة مرات، لكن - فجأة وبدون مقدمات - توقفت (التأشيرة السياحية) في عام 2009، ولا نعلم حتى اليوم عن سبب هذه (السكتة الفجائية)!
الآن، ومنذ بضع سنوات، وهيئة السياحة تقوم بإقامة معارض دولية عن آثار وتراث وحضارة المملكة، في أوروبا وأمريكا وغيرها، لكن تلك المفارقة العجيبة والتناقض غير المنطقي، الذي رافق (معرض المملكة بين الأمس واليوم) سنوات طويلة، ما زال يرافق معارض وجهود هيئة السياحة اليوم، ومرة أخرى ما الفائدة من هذه المعارض والدعايات لبلادنا والخسائر التي نتكبدها، إذا كنا لا نسمح لأحد بزيارتها؟ هل يكفي أن ننال إعجاب العالم وثناءه على ما نعرضه عليهم في بلدانهم، وماهي الإجابة المنطقية المقنعة التي يستطيع أي سعودي أن يقولها لسائل أوروبي أو أمريكي أو غيرهما عن سر هذا التناقض الغريب؟
أمس، الثلاثاء، عقد في الكويت اللقاء الأول لوزراء السياحة بدول مجلس التعاون، وقرأت في الصحف أن جدول الاجتماع سيناقش، ضمن ما يناقش، موضوع (التأشيرة السياحية)، ولا أدري هل سيتخذون قرارا موحدا بشأن إصدارها، أم لماذا يناقشونها؟ فهي كما أعرف قرار داخلي لكل دولة، وبعض دول المجلس وعلى رأسها دولة الإمارات، مفتوحة للسياحة من كل العالم، ومنذ زمن طويل.
وقبل أن أختم أود أن أسأل رئيس هيئة السياحة، هل بلادنا مغرية للسائحين من خارجها، ومهيأة لاستقبالهم؟ إن كانت كذلك كما تقول معارضنا الدولية، فلماذا نمنعهم من السياحة فيها؟ وإن لم تكن بذلك الإغراء والجاهزية، فلماذا لا نوقف معارضنا ودعايتنا إلى أن نكون جاهزين؟ ثم كيف ظهرت (التأشيرة السياحية) لقرابة خمس سنوات، ثم انقطعت فجأة؟ وهل ستعود إلى الحياة قريبا؟