لا شك أن داء التصنيف داء مقيت يسعى المصابون به من حيث لا يشعرون لشق الصف وتمزيق الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع الواحد، بل إن هذا الداء ينخر وبشدة في قواعد هذه الوحدة ويزعزع أساسها المتين الذي تسعى جميع الدول على جعله راسخاً رسوخ الجبال الراسيات ليضمن لها السير قدماً نحو إنشاء أجيال تسمو بها وتحقق لها المنافسة الشريفة مع مثيلاتها من الدول المتحضرة
إننا لم نكن نعهد هذا الداء بهذا الحجم قبل عقود من الزمن، حتى وصل إلينا الانفتاح المعلوماتي كالقنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي كالفيس بوك وتويتر، فانفتح بسببها الباب على مصراعيه وجاء معظم هذا التصنيف من بعض المتدينين وللأسف الشديد
فعلى سبيل المثال ما إن تأتي مناسبة كربيع الأول أو عاشوراء أو أحداث الـ11 من سبتمبر أو أي حدث عالمي إلا ويحتل تصنيف المخالفين لمن خالفهم فيما يحدث فيها المرتبة الأولى! فما إن يذكر أحد قصة سيدنا الحسين رضي الله عنهُ في يوم عاشوراء إلا وتنهال عليه أقلام التصنيف رميا بالرفض والتشيع! وما إن تتحدث عن سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول إلا وتُصنّف بأنك صوفي! وإن التزمت الصمت عن أحداث الـ11 من سبتمبر أو أي حدث مأساوي يقع في البلاد الإسلامية أو في الغرب صنفوك بالقاعدي أو الإرهابي! وإن تبنيت قولاً في إحدى المسائل الخلافية لأحدٍ من أهل العلم دون الآخر إلا وصُنّفت بالسلفي أو الوهابي! وإن تكلمت في مسألة علمية قد يكون (ظاهرها) مخالفا لما في كتاب الله فسرعان ما تصنّف بالعلماني، وإن تحدثَتَ عن حرية إبداء الرأي فسيكون تصنيفك بالليبرالي ومن الدرجة الأولى!فتصنيف الآخرين دون ضوابط وبراهين قطعية لا يعدو أن يكون سوء ظنٍ بهم، وهو من أشد الآفات فتكًا بالأفراد والمجتمعات لأنهُ آفة تُقطّع أواصر المودة، وتولَّد بينهم الشحناء والبغضاء، وقد حذرنا المولى سبحانه وتعالى من ذلك فقال «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» وحذرنا منه نبينا عليه الصلاة والسلام بقولهِ «إياكم والظنّ؛ فإن الظن أكذبُ الحديث»
إنه وباء خبيث يستخدمه البعض لإسقاط الجماعات المخالفة له ومحاولة اجتثاثها من جذورها للصعود على أنقاضها، لأن الأصل عند من يسلك منهج التصنيف أنّ من ليسوا على فكره ومشربه متهمون، بل مدانون! إنه واقع مرير ومرض عضال اسأل الله أن يتدارك أصاحبه بالشفاء العاجل
لهذا تفطنت حكومتنا الرشيدة لما قد يجري جراء هذه التصنيفات، فجاءت الفكرة النيرة والنظرة الثاقبة من خلال قرارات الحوار الوطني والتي كان من أبرزها نداء خادم الحرمين الشريفين لمكافحة التطرف المتستر خلف الدين والمذهب وعدم تكفير المذاهب الإسلامية مع ضروريات الوحدة والترابط بين جميع طوائف أبناء هذا البلد المبارك، وهذا إنما يدل على الوعي التام بأهمية اللّحمة بين أفراد بلد الحرمين الشريفين
بل وصل الحال بمن يعي خطورة هذا الأمر إلى تقريب وجهات النظر واحترام الأديان المخالفة فضلا عن تصنيف بعضنا بعضا ونحن أهل دين سماوي واحد! وما دعا إليه خادم الحرمين حفظه الله للتسامح وحوار الأديان ليس منا ببعيد
فليس من شأني ولا من شأنك أخي الكريم إجبار الناس على تبني فكري أو فكرك بالقوة ولا من حقي وحقك إنزال التصنيفات بهم، فإذا كان سيد البشر سيدنا محمد وهو أشرف الخلق صلوات ربي وسلامه عليه قد وجهه المولى سبحانه وتعالى لكيفية التعامل مع الناس فقال له «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» أي ولو شاء ربك يا محمد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم بهِ، فآمنوا كلهم، ولكن لهُ حكمة فيما يفعلهُ تعالى كما قال «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم» وقال «أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا»، وقال «أفأنت تكره الناس» أي: تلزمهم وتلجئهم «حتى يكونوا مؤمنين»
فاحذر أخي الكريم من التصنيف واكتف بمن تيقنت أنه على غير الطريق القويم بالنصح والتبيين، وليكن قول الله تعالى «فذكر فإن الذكر تنفع المؤمنين» لك منهجاً ودستوراً تقتدي به