وددتُ لو أنني وأُمّي في مسرح الأمم المتحدة، يجتمع فيه كل ممثلي العالم، ويراني أغلب سكان هذا الكون عبر الفضائيات، لأُريهم (أُمِّي) وأتحدث عنها بتفصيل من يعرفها وتعرفه، ويحبها وتحبه، وأشرح عالميتها في عالمي، وريادتها في تكويني، وإنجازاتها في صُنعي فهي (أُمِّي).
سأقول لهم إنها امرأة استثنائية بمجموع مهارات ذات حاجة في زمن لم يكن يعرف التنصل من مسؤولية المتابعة والإشراف والرقابة والدعم والإعانة، فلقد كانت (أُمِّي) قبل كتابة هذا المقال بثلاثين سنة ويزيد صاحبة استراتيجية في استثمار الوقت المنزلي والعائلي بفلسفة يصعب على فكري استيعابها الآن رغم فتح العلوم وانفتاح المعرفة.
سأقول لهم هذه السيدة الجليلة كانت ترعى عشرة من الذرية بين ذكور وإناث رعاية المتكفل بألِف المصالح حتى يائها وفق ترتيب أداء وتنظيم استحقاق وانفرادية تميّز وجودة إعطاء، فما أتذكر منها غياباً ولا إجازة ولا تأخر مهمّة تحمّلتها فحملتها وأدّتها في طيب خاطر وابتسامة وجه.
سأقول لهم لقد عرفتُ معنى الاكتفاء الذاتي من (أُمِّي) هذه في بيتنا الصغير، ذلك حين كانت وربّ الكعبة تُتقن من الأمن الغذائي موائد المرفّهين، وتعرِف من مهارات تعليم الصغار برامج التربويين، وتحيك بيدها المباركة أجمل تصاميم الأزياء لبناتها، في أعيادٍ هنّ ملكات جمالها، وتعمل في دُربةٍ وتجريب على علاج وعكاتنا الصحية، كأفضل غرف الطوارئ، فلا نكاد نحتاج لطبيبٍ إلا في النادر القليل.
سأقول لهم (أُمِّي) في تأسيس فكرة التربية المجتمعية وادعة اللوم حازمة القرار واضحة المواقف، فهي مغامرةٌ في خوض كل مراحل حياتنا الاجتماعية والدراسية والمادية، مشاركة في أيام المذاكرة بالمذاكرة وكأنها نحن، شريكة في تقلبات نفوسنا بترجمة عملية روحية كأنها قلوبنا، متأنية حالمة حليمة مطمئنة واثقة في حسن ظن باهر أننا نستطيع.
سأقول لهم يا سادتي إنّ (أُمِّي) هذه كررت معي أقوال العلماء في مادة الفقه المقارن ليلاً، وذكرتني بها عند الصباح قبل الاختبار، وهي التي تابعت الاعتذار لي من عملي لغيابي في بدايات حياتي الوظيفية، وهي التي تتابع الصحف الورقية منذ أربعين سنة لعلها تجد خبراً ذَا صلة بمصلحتي، أو له علاقة بما أصبو إليه، وكل ذلك دون أدنى شهادة دراسية نظامية، إلا أن (أُمِّي) هي الشهادة كما تشهدون.
سأقول لهم هذه (أُمِّي) وهذا محياها القمري الجميل، وهذه ابتسامتها الفاتحيّة النورانية، وهذه عباءتها المعطرة بزكيّ الحنان، وهذا رأسها الشامخُ بصنيعها وطيب عملها أقبّله لأشرُف وأصافح وجنتيها لأوفّق..
واسمحوا لي أن أزيد وأقول إن كانت الأم مدرسة (فأُمِّي) جامعة، جمعت الجمال فتقاسيم وجهها أندى من زهر الرمان، وجمعت ريادة الأعمال فما احتضن تحقيق ما نحن فيه مثلها، وجمعت التأثير بالسلوك فهي البارّة صاحبة الصدقة واصلة الرحم، حاضرة حيث الحاجة فائقة النكهة حين تتكلّم، وجمعت العدل والمساواة فما غاظ صنيعها لأحدٍ منا أحداً منّا، وجمعت الشخصية المتزنة، فلو حزنت فبصمت، ولو فرحت فبوقار، ولو غضبت فبتعقّل، ولو سُرّت فبوسطية.
سأقول لكم بأنّي منذ وعيت على الدنيا، وأنا أنادي هذه الجوهرة الإنسانية (ماما)، وحتى اليوم وعمري 47 سنة أجدني وأنا أفتح جوالي كما قلبي لاتصالها وأقول بصوتٍ يسمعه كل من حولي (أهلاً يا ماما)، فأجد من لذّة مجاورة هذه الحروف لقلبها وقلبي ما يساوي كل هذا الكون الذي يسمع حديثي الآن.
إنها وحتى اللحظة ما أهملت حيث قصرنا، ولا ملّت حيث شططنا، ولا كرهت حيث أخطأنا تقول رأيها وتحمي رأينا، تنظر للواحد منا نظرة المتفحّص لممتلكات إحساسه وخصوصيات شعوره، باحثة عن طمأنينة أم تجلس في (صالة) البيت في مهمة الضيافة والرعاية والتفقّد، ذاكرة شاكرة في هدوء رحمة فاز من نال منه.
ولها أقول (كم أحبك يا ماما)، أطال ربي عمرك في صحة وطاعة.. قولوا آمين.