في عام 1958م عَهِدَ الرئيس جمال عبدالناصر إلى ثروت عكاشة بوزارة الثقافة، في حقبة أقل ما يقال فيها إنها من الحقب الصعبة في تاريخ مصر الحديث، وذلك أن البلاد عرفت قبل ست سنوات نظاما جديدا في الحكم، وخاضت في عام 1954م ما عرف بأزمة مارس، ثم إذا بها تشهد الاعتداء الثلاثي الذي أريد فيه لمصر ألا ترفع رأسها.
لم يخض الرئيس عبدالناصر، في حديثه إلى الوزير ثروت عكاشة، في قضايا فلسفية، وكان، كعادته، قريبا سهلا. فما الذي قاله، وهو يعد العدة لوزارة يحتمل وزيرها أمر الثقافة في مصر؟ قال عبدالناصر كلمة يسيرة: أريد أن تبني صياغة الوجدان المصري!
إن غايته تتصل بالروح والوجدان، فإذا استطاع ثروت عكاشة وإذا استطاعت الوزارة الجديدة وإذا استطاعت الثقافة أن تصنع «الوجدان» المصري، فقد تحققت الغاية التي ترجى، عرف عبدالناصر الغاية، والتمس إلى ذلك الوسيلة، وأنت مهما أردت لن تجد غاية تسمو على صناعة «الوجدان» أو صياغته، وليس سوى «الثقافة» بمستطيع أن يبلغها. ولن نخوض في تعمق هذا «الوجدان»، ويكفينا منه أن فيه معنى من معاني السعادة والشعور بالرضا، وأن هذه المعاني إنما يحققها الفن والموسيقا والسينما والأدب.
وكلام عبدالناصر، على يسره وسهولته، عميق، فالثقافة، عنده، ليست شأن النخبة وحدها، وإنما هي شأن يحياه ويعيشه البدوي والقروي والحضري والمدني، إنها ألصق بحياة الناس، حين ترجو، من وراء أشكالها، الإمتاع والفائدة، فلن يلين قسوة الحياة سوى ثقافة تربي الوجدان، يبلغون ذلك في أغنية شعبيــة يرددونها، وفي مسرح يقصدونه، أو دار سينما يختلفون إليها، وإن أولئك الناس، وبالأحرى الكبار منهم، قد أدركوا شيئا من تلك الثقافة التي تصنع «الوجدان»، في ماضي حياتهم. نعم، لم يسمّوا ذلك ثقافة، ولم يتبينوا الوجدان، ولكن مجتمع ما قبل المدينة الحديثة عمر وجدانه حين التف حول شاعر الربابة، وشاهد خيال الظل، وابتهج ببيته الفقير حين حول جدرانه إلى لوحة فنية شعبية يرتاح إليها كلما مد بصره إليها، فإذا الألوان والتصاوير تمده بمدد روحي، ما أحوجنا إليه!

[email protected]