أصبحت خدمات الرعاية الصحية «ذات السرعتين» حقيقة واقعية في أوروبا ويفسر الفرق بين الأنظمة الصحية الأوروبية وفقا للوضع الاقتصادي لبلدان منطقة اليورو، حيث تعرض الدول الغنية كسويسرا خدمات أفضل بحسب الباحثين.
ورغم وجود اتجاه عام نحو نظام مختلط للرعاية الصحية يخضع لرقابة الدولة وللمنافسة الحرة إلا أن الدول الغنية ومنها سويسرا تسير بوتيرة أسرع وتبتعد أكثر فأكثر عن البلدان الأكثر فقرا.
وتحتل المقارنات بين محاسن نظم الرعاية الصحية السويسرية ومساوئ الأنظمة الصحية بالدول الأخرى مكانة بارزة في جدول أعمال معارضي مبادرة «مؤسسة عمومية واحدة للتأمين الصحي» التي جرى التصويت عليها أخيرا.
ولا تريد سويسرا نظاما صحيا على الطريقة الإيطالية ولا نظام تأمينات على الطريقة الفرنسية.
وفي هذا السياق يقول أستاذ السياسة الاجتماعية في جامعة لوزان، جوليانو بونولي: المقارنة مع إيطاليا خارج السياق، وليس لها معنى، وبشكل عام تتوزع دول أوروبا الغربية إلى مجموعتين بنظامين لتمويل الرعاية الصحية، أحدهما يعتمد بشكل رئيسي على التأمين الاجتماعي ويُموّل بواسطة الاقتطاعات من الرواتب أو من التأمينات الأخرى، ومقدمو الرعاية الصحية فيه هم مهنيون مستقلون، بينما يعتمد النظام الآخر على الخدمة العمومية المقدّمة من قبل الدولة ويُموّل عن طريق الضرائب ومقدمو الرعاية الصحية فيه أطباء من موظفي القطاع العام.
خيارات قوائم الانتظار
يلاحظ أن نظم الرعاية الصحية التي يكون فيها وزن الدولة أكبر تكون عادة أفضل من ناحية احتواء التكاليف ولديها قابلية أكبر لإنتاج قوائم الانتظار.
أما النظم التي يقل فيها ثقل الحكومة فإنها أقل إنتاجا لقوائم الانتظار ولديها صعوبة أكبر في كبح جماح الإنفاق، على حد قول جوليانو بونولي، بيد أنه لا يمكن اعتبار ذلك قاعدة مطلقة، فهناك دول لديها نظام رعاية صحية حكومي دون أن يكون لديها قوائم انتظار، فالأمر معتمد على الأموال المتاحة، إنه خيار سياسي.
للجودة ثمن باهظ
يقر الجميع بجودة النظام السويسري للرعاية الصحية، وتتصدر برن قوائم التصنيف لجميع المؤشرات الصحية على وجه التقريب، لكنها في وضع لا تحسد عليه بالنسبة للتكاليف، حيث تحتل المراكز الأولى أيضا.
وبحسب تقرير نشرته وكالة سويسرية، بلغت نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية في 2012 نحو 11.4 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 9.3 ٪ في المتوسط لبلدان منظمة التعاون والتنمية، أي 6.08 آلاف دولار مقابل 3.48 آلاف دولار للفرد الواحد، في حين بلغت نسبة ما تسدده الأسر بشكل مباشر 26 ٪ من إجمالي الإنفاق الصحي مقابل 19 ٪ في المتوسط.
وتعتبر إيطاليا ضمن دول المجموعة الثانية، وبالنسبة لسويسرا إن تمّ استبدال مؤسسات الرعاية الصحية الخاصة وعددها 61 بمؤسسة حكومية واحدة فلن يكون هناك تأميم لنظام الرعاية الصحية، بل مجرد تدخل طفيف من قبل الدولة في نظام المنافسات القائم وفقا للخبير بونولي.
تأمين الرعاية الأساسية إلزامي
يلزم كل شخص مقيم في سويسرا بأن يكون لديه تأمين الرعاية الصحية الأساسية، ويمكنه بحسب الوضع الراهن الاختيار بين 61 شركة تأمين مصرحا بها وتتبع للقطاع الخاص وملزمة بعدم رفض كل من يتقدم لها وبالتعاقد مع جميع مقدمي الخدمات الطبية وبعدم ربط التسعيرة بحجم المخاطرة.
هذا الأمر يحول دون وجود منافسة حقيقية بين الشركات، لأن المنافسة تعتمد في الأساس على اصطياد العملاء الأقل مخاطرة، أو ما يطلق عليه مصطلح «المخاطرة الجيدة»، وهي الثغرة التي توجهت نحوها سهام أصحاب مبادرة مؤسسة عمومية واحدة للتأمين الصحي، كما انتقدتها منظمة الصحة العالمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في تقرير مشترك صدر في2011، وانتقدها أيضا معهد البحوث الاقتصادية والمالية في باريس من خلال الدراسة التي أجراها في 2013 تحت عنوان: «تعزيز الحرية الاقتصادية والمنافسة الضريبية»، فضلا عن العديد من الدراسات التي اعتبرت وجود تكافؤ في المخاطر بين الشركات يمثل خللا كبيرا يعيق احتواء التكاليف وتحسين الخدمات.
التصنيف وفق المؤشرات
أستاذ السياسة الاجتماعية في جامعة لوزان، جوليانو بونولي قال: إجراء المقارنات بين الدول ينبغي أن يكون بطريقة موجهة حول جوانب محددة، فمن المثير للاهتمام إجراء مقارنة على مستوى احتواء الأسعار والكفاءة.
وبناء عليه، يمكن الوثوق بدراسات المقارنة الصادرة عن منظمة الصحة العالمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، باعتبار أن كلتا المنظمتين الدوليتين لا تعتمدان تصنيفا عاما للنظم الصحية وإنما تصاغ تصنيفاتهما وفقا للمؤشرات المختلفة.
خدمات متميزة بالدول الصغرى
أكد محررو المؤشر الأوروبي لاستهلاك الرعاية الصحية لعام 2013 أن أكثر نظم الرعاية الصحية الحكومية التي حققت نتائج ممتازة توجد في دول صغيرة وغنية كالدنمارك وأيسلندا والنرويج، وأغلب الدول التي سجلت نتائج جيدة تطبق نموذج رعاية صحية يعتمد على التأمين الخاص كهولندا وسويسرا وبلجيكا وألمانيا وفرنسا.
وخلص الباحثون السويديون، بناء على مؤشرات استهلاك الرعاية الصحية في أوروبا إلى أن نظم الرعاية الصحية المعتمدة على التأمين الخاص توفر نتائج أفضل مقارنة بتلك الممولة من القطاع العام.
الثراء يلعب دورا
رغم أهمية نوع التمويل على مستوى الرعاية الصحية إلا أن القوة الاقتصادية للبلاد هي التي تحدد جودة الخدمات وفقا للقائمين على حساب المؤشر الأوروبي لاستهلاك الرعاية الصحية الذين قالوا:»في تصنيف 2013، احتلّت أغنى الدّول صدارة الترتيب وبصورة أكثر وضوحا عما كانت عليه في السنوات السابقة، والفجوة آخذة في الاتساع».
وتسير خدمات الرعاية الصحية في أوروبا حاليا «بسرعتين» تبعا لغنى البلد، وليس مستغربا أن نجد سويسرا بالمرتبة الثانية بعد هولندا.

