فاجأتنا صحيفة "مكة" بنشر تسجيل صوتي وتحليل توضيحي لجلسة مناقشة رسالة الدكتوراه، للأستاذ سعيد السريحي قبل 29 عاما في جامعة أم القرى.
ولست هنا بصدد مناقشة محتوى المادة العلمية البحثية في الرسالة، فقد لا أكون مؤهلا للحكم عليها، ولكني أريد تناول مجريات الحوار والمناقشة كمفتاح للوعي بما حدث، وبما يجب أن يكون.
إنه لأمر محبط أن تستمع لمجريات تلك المناقشة المريضة، والتي امتدت لخمس ساعات عسيرة في ليلة رمضانية، وستعجب أن الطالب لم يخرج خلالها عن أصول الأدب، ولم يفقد أعصابه، رغم كميات وأصناف الضغط الشديدة على نفسيته، بالضحك والتهكم والاستهزاء، والكلمات السوقية المستفزة، والمقاطعة المستمرة، والتنقل بين الأسئلة بطريقة من يبحث عن زلل لا عن حقيقية علمية؛ وبواسطة لجنة سلفية متجبرة، رافضة لكل مستحدث، ساعية لإحراج المقابل، وتشكيكه في معلوماته، وتضليله، وإجباره على تقديس القوالب.
حال اللجنة لم يكن غريبا على مسامعنا نحن من عانينا من علو هيمنة الصوت الأوحد، والببغائية، والتلقين، والسيطرة على المنابر، وتقزيم الآخرين وأفكارهم، ومصادرة الرأي، وربط كل الوجود بالمذهب.
كانت اللجنة المتحفزة تعلم مسبقا بأن الطالب يدعو للحداثة في ممارسته للأدب، وتناوله المواضيع البحثية ببعد عن الشكليات والمسلمات المذهبية، فكان أن تم التعامل معه بتخوين وتشكيك يلمح للاتهام بما هو أعظم!.
ما حدث ليلتها كان وصمة عار لا تمحى في جبين جامعة أم القرى، والتي لم تكن في ذلك الوقت مختلفة عن أغلب جامعاتنا السعودية بهيمنة من يسمون أنفسهم بأهل الصحوة، والصحو بعيد عن سمائهم وأرضهم.
جلسة عصبية مقلقة لفكر كل من يستمع إليها، وبدرجة الظن بأن ما يحدث ليس إلا مسرحية تراجيدية مريرة متعبة للأعصاب، تصور جلسة استجواب في سجن دولة قمعية يقوم به عدد من ضباط المباحث، الذين لا يحترمون، ولا يرحمون، ولا يتفهمون، ولا يسعون إلا لسماع كلمة (مذنب) على لسان من يحققون معه.
وبما أني هنا أتحدث عن العار، فلا أظن هذا العار كان بعيدا عن أغلب مناقشات الرسائل الخاصة بطلاب تلك الجامعة ولا الجامعات السعودية الأخرى، والتي رانت على قلوب لجانها الصحوة المزعومة، وأصبحت هي مصدر علمهم الأوحد الرافض لكل نور خارجي مهما بلغت مصداقيته.
الأمر جلل، ومجرد الاستماع لهذا التسجيل يجعلنا نشك في جميع الرسائل، التي حصل عليها طلبة سلفيون من تلك الجامعات وبدرجة الامتياز، أو الشرف!.
وهذا شأن أتمنى من معالي وزير التعليم الدكتور عزام الدخيل البحث فيه بلجان علمية معتدلة تكتشف الوهم وشهاداته، وتجلي الظلمة عن الكراسي التعليمية في أغلب أقسام جامعاتنا.
الميزان كان مكسورا مغيبا، والظلم الجلي كان سيدا للموقف، وهذا ما زلنا نلمحه في معظم تصرفات القائمين على كراسي التعليم الجامعي نحو طلبتهم حتى اليوم.
والحال لن يستقيم دون تنقية للعلم والتعليم من أصناف المتحجرين.

[email protected]