من الصعب أن نختزل حبنا للوطن في يوم واحد، فمن عاش على أرض هذا الوطن وتربى من خيراته وتعلم في مدارسه وعمل بين أهله وعاش في مجتمعه وفي ظل حكامه من آل سعود وعلم أنه يجاور مكة والمدينة يشعر أن الوطن هو كل الحياة وليس يوما واحدا.
سألوني مرات عدة: لو أتيحت لك الفرصة للهجرة إلى بلد آخر فإلى أي بلد تهاجر؟ فقلت إلى بلد تحوي مكة والمدينة وتتميز بكل ما ذكرته سابقا، فأي بلد سواها لا تحوي هاتين المدينتين ولا تملك تلك المميزات فإنها بالنسبة لي لا تساوي الهجرة.
يعجبني المثل الأمريكي الذي يقول إن الأرض دائما خضراء على الطرف الآخر، وهو فعلا ما يراه أي شخص عندما يتحدث عن العيش في دولة أخرى، حيث دائما نرى العيش في الغرب أجمل ولكن الحقيقة ليست كذلك فلكل مكان سلبياته كما له إيجابياته، وعندما تقارن يجب أن تعدد الإيجابيات بصدق وأمانة، ولقد عشت تسع سنين في الولايات المتحدة الأمريكية ولا أنكر كم كانت الحياة جميلة هناك في مظهرها العام وطريقة إجراء المعاملات هناك، ولكني كنت دوما أشعر بعدم الأمان على نفسي وأبنائي.
عدم الأمان في أن يدخل علينا لص أو تصيب أحد أفراد الأسرة طلقة نار من شخص تطارده الشرطة أو أن يوقفنا شخص ليسلب ما لدينا، كما كنت أخشى على أبنائي من الانحلال الفكري وصعوبة التحكم به.
وفي كل مرة أعود إلى الوطن وتفتح أبواب الطائرة أرى أرضه كان ينتابني شعور قوي برغبة في أن أقبل أرض وتراب هذا الوطن.
إن الله جل وعلا قد حبا بلدنا هذه بمزايا عدة لم يتمتع بها بلد آخر ابتداء من كونها منبع الإسلام إلى ما تتمتع به اليوم من أمن وأمان نسأل الله أن يديمها ونحمده على فضله.
ولقد كنت في حفل تخرج لإحدى الجامعات هذا العام وأثناء المسيرة كانت أغنية طلال مداح «وطني الحبيب» لقد أعادت لي كلمات هذه الأغنية الذكريات ولقد وجدت لساني يرددها ليس عشقا للأغنية، ولكنه عشق الوطن.
إن الحب للوطن كما ذكرت سابقا لا يمكن أن نختزله في يوم واحد، ولكن لا بد من هذا اليوم ليذكرنا بما له علينا. إن مسؤولية كل منا كفرد قبل المسؤولية كمجتمع أن نظهر في كل يوم بمظهر وتصرفات تليق باسم بلادنا وبما تحويه من مدينتين عظيمتين: قبلة المسلمين مكة، ومدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، إن هذا يجعلنا نحمل عبئا كبيرا في ضرورة أن تكون أخلاقنا وسلوكنا راقية في التعامل مع الآخرين والمواقف ومجتمعنا وبلدنا والأمة البشرية، فالشخص منا هو سفير لهذه البلاد العظيمة سواء كان داخلها أو خارجها، والحفاظ على نظافتها والأمانة في أداء العمل وخدمة أهلها وضيوفها والسلوك في القيادة هي من دلائل الوطنية الداخلية، والتصرف والتعامل مع البشر في الدول الأخرى برقي واحترام القوانين هي من دلائل حرصك على سمعة وطنك خارج حدوده وهي تعبر عن أخلاقك كسفير لهذا الوطن.
واعلم أن كل تصرف منك خارج أرض السعودية أو في التعامل مع ضيوف هذا البلد وعلى أرضه ينسب للسعوديين عامة ولا يخصك أنت فقط، فكن خير سفير لخير وطن أحبك ورعاك ومنحك كثيرا، ما أجمل أن يكون هذا اليوم هو بداية التغيير لكثير من السلوكيات التي تؤثر سلبا على مجتمعنا وربما سمعة هذا الوطن العظيم.
الوطن هو ما يحتويه من بشر بعاداتهم وتقاليدهم وليس فقط مساحة أرض، أخلاقنا وعاداتنا هي ما يميزنا في هذا الوطن فليكن كل منا سفيرا لهذا الوطن الحبيب وكل عام وأنت يا وطني بخير تنعم بالأمن والأمان وحفظ الله لنا ولاة أمورنا.
سفير الوطن
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
