يستل قلمه فيكتب مقالا يقطر حدية ومبالغة وقفزا على كثير من الحقائق وغفلة عن بعضها الآخر، وربما اتكأ إلى منضدة في برنامج فضائي فأطلق سيلا هادرا من العبارات العامة الفارغة والمملوءة بعاطفته وميوله الشخصية دون أن تكون مبنية على أساس علمي أو واقعي، ثم يقتنع مع مرور الوقت بأنه قد أصبح خبيرا بهذا الشأن أو ذاك ومرجعا معتبرا فيه، وربما أضاف هذا اللقب أو الوصف ليكون مرادفا لاسمه كلما ظهر، وهو في واقع الأمر ليس أكثر من شخص قارئ منحاز لم يستكمل أدوات النظر ولم يستجمع خلفيات القضية المنظورة ولم يلتق بشخصياتها، وإنما تناغم مع حملة موجهة أو مسار عام لمح اتجاهه وقبلته، فوجد بسبب ذلك فرصة للظهور والتكسب، وغالبا ما تراه يتحاشى المواجهة مع أهل التخصص والتمكن لكيلا تنكشف بضاعته فيهرب إلى مقالات يرسلها في خلوة دون أن يناضل عن مضمونها أو يرد على ناقديها، أو يلجأ إلى مقابلات يكون فيها الضيف الوحيد الذي يبيع ما لديه من بضاعة مزجاة ثم يتوارى بعيدا.
هذه الفئة من الكتاب والمنسوبين إلى الثقافة أو الموصوفين بالخبراء تكاثرت بكل أسف في الفترات الأخيرة حتى أصبح وجودها الدائم مثيرا للاشمئزاز والغثيان، ومخلا بمصداقية وسائل الإعلام إن كان ثمة مصداقية، وهادما بطبيعة الحال لبنيان العلمية والموضوعية والإنصاف، وقد خرجت في الأعم الأغلب لتحقيق مطامع دنيوية من مال أو منصب أو شهرة، أو لتصفية حسابات سابقة وإطفاء لجمرة حقد أو انتقام، وقلّ أن تجد منها من خرج طلبا للحقيقة فعلا.
وإذا كان المطلع المنصف يستطيع تمييز هذه الفئة سريعا وربما من أول ظهور لها فإن من آتاه الله عقلا سليما سيكتشف هؤلاء مع أدنى متابعة وإن مضى بعض الوقت، ولذلك فهؤلاء يسيرون إلى حالة تظهر فيها ضحالتهم العلمية وقلة بضاعتهم، وربما كما تقدم تظهر فيها بواعثهم الحقيقية البعيدة كل البعد عن الموضوعية أصلا، فلا يلتفت لها أحد لتحترق مع الزمن وتصبح مجرد ذكرى مزعجة، فلا هي حققت مرادها ولا هي سلمت من آثار سلوكها، ومن سنة الله في الناس أن يكشف المبطل والمفسد ولو طال الزمن، ويمهد للصادق بالقبول والرفعة ولو كثر ناقدوه وخصومه.
خبراء الغفلة
جميل اللويحق2 دقائق للقراءة

حجم الخط
