تثير الحادثة التي تحولت إلى حادثة “رأي عام” والتي قتل فيها أب عائد من الابتعاث وابنه بعد سقوطهما في حفرة تفتيش صرف صحي دون غطاء، تثير العديد من الأسئلة حول واقع الخدمات والإشراف والمراقبة التي تقدمها الجهات المسؤولة من وزارات وأمانات وشركات.
ليست الحادثة الأولى وليست الأخيرة، فمنذ أعوام ونحن نشهد حوادث تمثّل قمة الإهمال والفساد وعدم المسؤولية ويذهب الضحايا وعويل عائليهم أدراج الرياح.
عشرات الأحداث لا نعرف عنها تحدث بين ظهرانينا، هي نتيجة إهمال وعدم شعور بالمسؤولية وتجاهل للحقوق والواجبات وعدم التفات لتنمية حقيقية تحكمها القوانين والأنظمة والتشريعات.
ما الواجب الذي قصرنا عنه؟ هل هو واجب المسؤولية الوطنية أم المهنية أم الإنسانية؟ هذا التجاهل الذي يواجهه المواطن في كثير من الخدمات التي تقدم إليه يجعلنا نعيد التفكير عشرات المرات: من أين بدأ الخلل؟ ولماذا استمر وكيف يتوقف؟
لا شك أن معظم الجهات الرسمية تقدم خدماتها وتجتهد، لكن هل قدمتها بالشكل اللائق؟ وهل وصلت إلى الكمال؟ وهل تحملت مسؤوليتها تجاه مثل هذه الحوادث وغيرها؟
لماذا المسؤول الحكومي ومسؤولو الشركات يبنون أبراجا حول شخصياتهم ولا يعترفون لا بالمواطن ولا بالمشكلة؟ من أعطاهم هذه الحصانة؟
إرث من الإهمال الذي خبأته شخصيات هؤلاء المسؤولين تحت مظاهر “المشيخة” والمناسبات الرسمية والهيبة التي يحاولون فرضها والهالة التي تصاحبهم. معظم المسؤولين تصاحبهم هالات من السلطة والرأي المتسلط والمركزية، بها يحاولون إرهاب المواطن ويضعون عشرات العقبات والحواجز أمام حقوقه ومطالبه وخدماته.
معظم هؤلاء المسؤولين “يورثون” هذه الشخصيات لإدارة من تحتهم إلى درجة أن أصغر موظف تجده يهش على المواطن بعصا مدير مديره!
هذه اللامبالاة التي أرهقتنا في مراجعاتنا وفي خدماتنا لا بد أن هناك “مسؤولا”عنها.
غاب عنا لفترات طويلة الاعتراف بالخطأ والمواجهة وتبرير التقصير، والحوار والوقوف على قدمين شجاعتين لنلمس معا أوجاع الحياة لا لنواجهها وحدنا فرادى نعدّ قتلانا وضحايانا.
المواطن لا يحتاج إلى أن يقابل شخصا بسيارة “رقم خاص” ولا يحتاجه بـ “بشت حساوي” ولا يحتاجه حليقا أو متعطرا، يحتاجه ليرى ويسمع ويتلمس الأخطاء التي تحيط به ويعاقب مرتكبها أو يتحمل هو عنه العقاب إن كان أهمله أو أورثه الأخطاء.
تحمل المسؤولية يحتاج إلى روح وطنية عالية وروح شذبتها الحياة لتكون نبيلة. الوطن ليس سهلا ليتم ابتلاعه بالمناسبات، ولا كرسيا ناعما لإرخاء عضلات الظهر والقيلولة بالمكالمات الفخمة، ولا هو استراحة جشع.
مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل ورقاب تنظر إلى ما يحدث وما سيحدث وكلها أمل بأننا نشعر معا بالأهوال والأحداث والكوارث ونتشارك في الهواجس والهموم.
في هذه الحوادث لسنا سوى في اختبار عاطفي، يثبت يوميا أن الأهل بقلوب بيضاء يقفون معا، وأن المسؤول عما يحدث اختار أن يقف وحيدا لأن لديه السلطة والحصانة التي يعتقد بأنها ستحميه إلى الأبد.
علينا إعادة النظر إلى الشوارع والحياة يوميا، أعيدوا النظر عليها بمسؤولية وألقوا نظرة على أي مكان قريب منا وسنلاحظ أن الفارق شاسع ويكاد اللحاق به أن يعجزنا.
أعيدوا النظر في كل شيء، وسنجد أن المواطن محقّ فيما يقول، ومحقّ في موقفه تجاه وطنه الذي يحبه ويضحي من أجله لو أراد أو احتاج.
أعيدوا النظر في الاختبارات الحقيقية التي واجهتنا وأعدائنا الواضحين وغير الواضحين ستجدون المواطن خلع كل هواجسه ليصبح الوطن أولا وسيبقى كذلك.
أنتم أيها المسؤولون عن تفاصيلنا اليومية، النائمون منكم، الكسولون منكم، المهملون منكم، المفخخون بالكبرياء منكم، أصغر مواطن يقسم بشرفه أنه يحب وطنه، هو أكبر وأهم من واجباتكم التي لم تقوموا بها من أجله وأجل مستقبل أبنائه، فاستيقظوا لكيلا تتفاقم المشاكل وتكبر الهوّة بيننا، فنحن نحب الحياة، ونحب أن نرى وطننا آمنا وعاليا، وأن نشعر فيه بأن حقنا لا يضيع ولا يُهمل.
قفوا على أطراف الشوارع وانظروا إلى صورة مواطن يرش الماء على ضيوف الحج ليقولوا حين عودتهم: لله درّ هؤلاء الأهل على إخلاصهم في الحياة.