لا تزال ذاكرة التعليم والمجتمع تنزف بدماء المعلم محمد بكر برناوي ـ يرحمه الله ـ المطعون على يد أحد الطلاب، وحادثة طعن معلم في مدرسة الأحساء من ولي أمر طالب، وطعن مدير مدرسة في سراة عبيدة، أما حوادث طعن الطلاب لبعضهم بعضا في مضارباتهم فحدث ولا حرج سواء داخل المدرسة أم خارجها، وهذا يضعنا جميعا أمام ظاهرة رهيبة بكل المقاييس.
الأسبوع الماضي في مشادة كلامية بين صديقي الشاعر أمين العصري وشابين ضايقاه في متنزه، انتهت بخمس طعنات خطيرة في جسد أمين، وبعدها بيوم أقرأ في هذه الصحيفة المباركة خبر القبض على أكثر من 15 شابا بحوزتهم سكاكين، يريدون دخول مباراة نهائي كأس ولي العهد بها، فما حاجة الشاب إلى السلاح الأبيض في ملاعبنا، وشوارعنا، ومدارسنا، ومناسباتنا؟
تعج وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية باستجداءات ذوي القتلة الذين كلفتهم جرائمهم الملايين، أو ستكلفهم رؤوسهم بعدما أزهقوا أرواح إخوة لهم في الدين والوطن بسبب مواقف بعضها أتفه من الالتفات إليه، لكن توفر السلاح يغيّب العقل، وهيهات أن يفيد الندم المنهال كرمال النفود حينما يبرد الطيش، فأول أمنيات القاتل (ليتني لم أحمل سلاحا في تلك اللحظة الشيطانية)، فلا خلاف أن قرب السلاح من متناول الغاضب دائما ما يحمل نتائج مأساوية، فما بالك وهذا السلاح في متناول صغار من 12 ـ 20 سنة، لا يفكرون مطلقا في عواقب الأمور، وقد شحَنت أرواحهم أفلام الأكشن والألعاب القتالية، والخطاب القبلي الأحمر.
أخبرني أحد المعلمين أن إدارة مدرسته عمدت إلى شراء جهاز كشف المعادن، تفحص به الطلاب عند دخولهم المدرسة صباحا، لا يزيد ثمنه عن 200 ريال، ويعلم كل المعلمين أنهم إذا قاموا بجولاتهم التفتيشية المفاجأة على الطلاب في المرحلتين المتوسطة والثانوية فسيجدون أشكالا مختلفة من الآلات الحادة التي يحملها المراهقون، ولا أحد يعلم شيئا عن اللحظة التي سيستخدمونها فيها، ومن الضحية، أمعلم أم إداري أم طالب أم عامل أم عابر في الشارع؟
لا يجب أن نقف أمام الظواهر مكتوفي الأيدي، خائري القوى، نلطم بعد الواقعة ثم ننسى لحين واقعة أخرى تعلمنا اللطم والرغاء والعويل، بل يجب أن تكون لنا وقفة حازمة وصارمة أمام حمل الأسلحة، فالأب والأم يجب أن ينبها أبناءهما إلى خطورة الأمر، ويفتشا أشياءهم الشخصية إذا اقتضت الحاجة، فبالصدفة قبل أسبوعين وجدت سكينا صغيرة في أشياء ابني محمد ذي الـ15عاما كان ينفي علمه عنها، وأبيح لمدير مدرسته تفتيشه وعقابه إن وجد بحوزته ما وجدت، فالمدارس يجب أن تستغل منابرها الإعلامية كإذاعة الصباح، وكلمة الصلاة، والمحاضرات والأنشطة، والحصص الدراسية ضمن توجيهات المعلمين التربوية والسلوكية لطلابهم، وخطباء المساجد في خطبهم ومواعظهم يجب ألا يغفلوا هذا الأمر، أما المؤسسات الإعلامية والثقافية والفنية فعليها عبء ثقيل في ابتكار وسائل مختلفة لرسائلها التحذيرية والتوعوية.
الأمر جلل والله، ويستحق وقفة وطنية جادة وحازمة، ففقد مواطن مقتول يؤلمنا جـدا، إذ يلحقه فقد الجاني أيضا بالقصاص، أو ضياع أسرته وهي تبيع كل ما تملك، حتى تبيع ماء وجهها تتوسل القاصي والداني في الديات الجائرة جدا، ومن هنا فإني أناشــد وزارة الداخلية التي يخصها الأمر في المقــام الأول أن تســـن قانونا صارما يجرّم حمل الأسلحة البيضاء، تطبقه الجهات الأمنية بصرامة على كل من يُضبط وبحوزته أدوات حادة دون مبرر لحملها في مكان الضبط.
ثم أطالب وزير التعليم أيضا بسن قانون صارم، يصل إلى حرمان الطالب من حق التعليم العام المجاني إذا تكرر حمله للسلاح الأبيض في المؤسسات التعليمية؛ لأن بعض الأسر لا يستجيبون إلا إذا وضِعوا أمام صـــرامة النظام، وهذا أقل حــــق تقدمه الوزارة لمجتمعها الضخم المسالم من المعلمين والطلاب، وسيعم خيره الإنسان والوطن.
السكاكين في جيوب الصغار!!
أحمد الهلالي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
