أمام مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية تحديات كبرى، هذه التحديات تنبع من المهام التي أوكلت لعمله الذي سيركز على «تحديد التوجهات والرؤى والأهداف ذات الصلة بالشؤون الاقتصادية والتنموية، ومراجعة الاستراتيجيات والخطط الاقتصادية والتنموية اللازمة، ومتابعة تنفيذها والتنسيق فيما بينها»، وهذه التحديات تتطلب مراجعة الأولويات، وتحديد المشاكل الرئيسة بشكل دقيق بما يضمن الوصول إلى حلول فاعلة.
فالتحديات التي تواجه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية، كثيرة ومتعددة منها ما يتعلق بالبطالة والتنمية، وتنويع مصادر الدخل، ومعالجة وضع المشاريع المتعثرة، منها ما يتصل بقضايا الإسكان، والفساد والقضاء على الفقر، والمحافظة على الطبقة المتوسطة وتنميتها، وأخرى ترتبط بمشاريع الطاقة المتجددة، وارتفاع نسبة استهلاك النفط الخام محلياً، ودعم قطاع الصناعة.
جميع هذه القضايا ترتبط ببعضها بطريقة معقدة، ويمكن اعتبارها سلسة واحدة تؤثر إحداها على الأخريات بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تعمل هذه القضايا كحلقات متداخلة لا يمكن فصلها، ومعالجة إحداها دون الأخذ في الاعتبار كيف تؤثر على باقي القضايا، فالمعالجة الفردية لقضية دون النظر في ذلك التأثير قد يخلق مزيدا من التعقيد في القضايا الأخرى.
كما أن معالجة هذه القضايا لا يمكن أن تتم بجهود فردية تقوم بها جهة واحدة دون باقي الجهات الحكومية الأخرى، بل تتطلب عملا مؤسسيا وجهودا تكاملية من جميع الجهات المعنية، لأن معظم مشاكلنا متداخلة، ولا تستطيع أن تقوم بها جهة دون الأخرى، فالخيارات المتاحة للحلول الفردية ستكون محدودة، وتتطلب تغيير سياسة عمل المجلس الاقتصادي والتنموي إلى عمل مؤسسي، يؤسس لخطة استراتيجية تنطلق من نظرة شمولية لأبعاد كل مشاكله، ومدى تداخلها مع المشاكل الأخرى، وتقييم الحلول المقترحة، ووضع بعد زمني محدد لمعالجة هذه المشاكل يتصف بالمرونة والديناميكية.
فالحلول الفردية التي اعتمدت عليها الجهات الحكومية في حل هذه القضايا لم تؤت أكلها، بل لعبت دوراً كبيرا في استنزاف الوقت، وتفاقم هذه المشاكل وتعقيدها، نتيجة غياب التنسيق في السياسات والأعمال بين الجهات الحكومية في القضايا المتداخلة، وغياب التنسيق بين الجهات بحد ذاتها قضية كبرى خلقتها نرجسية معظم قيادات الجهات الحكومية (سأخصص لها مقالا مستقلا في وقت لاحق).
وعودة على عدم نجاح الحلول الفردية، فالأمثلة كثيرة منها قضية البطالة، فالحلول التي قدمتها وزارة العمل ـ مع كامل الاحترام لجهودها واجتهاداتها ـ لم يكتب لها النجاح، ولم تسهم في حل مشكلة البطالة أو تقليصها، لأن الوزارة كانت تغرد لوحدها في معالجة قضية البطالة، وتحاول فرض رؤيتها على باقي الجهات، في حين أن جهودها يفترض أن تتكامل مع وزارة التجارة والصناعة، وزارة التخطيط والاقتصاد، والهيئة العامة للاستثمار، وهيئة المدن الصناعية لإنشاء صناعات ذات قيمة مضافة تسهم في خلق وظائف ذات قيمة ودائمة وذات دخل مادي جيد، وجذب واستقطاب استثمارات تخلق فرص عمل وتستقطب السعوديين الراغبين في العمل، تؤمن لهم حياة كريمة، وما قدمته من حلول فردية وبرنامج مثل نطاقات، وحافز، وبرنامج تحديد الأجور لم تحقق الهدف الرئيس، بل أسهمت في ظهور السعودة الوهمية، ولم تسهم في توطين الوظائف ذات القيمة، ومعظم وظائفها في قطاع البناء والتشييد.
كل ما يحتاجه العمل المؤسسي الذي يفترض أن يبدأ المجلس في التحول إليه، هو تحديد الأولويات، ومدى التداخل بين تلك المشاكل، لأن حل المشاكل الرئيسة سيقود حتماً إلى حل وتقليص المشاكل الثانوية المتصلة بها، والتشوهات كبيرة في التنمية الاقتصادية.
وأعتقد أن الأولوية الكبرى للمجلس الاقتصادي والتنموي تبدأ في التركيز والبحث عن الاستثمارات ذات القيمة المضافة، والبحث عن هذه الاستثمارات مسؤولية مشتركة بين وزارة التجارة والصناعة، والهيئة العامة للاستثمار، وهيئة المدن الاقتصادية، بحيث تعمل هذه الاستثمارات على إنشاء مصانع وصناعات تسهم في تنويع مصادر الدخل، وخلق فرص وظيفية ذات دخل جيد، وهذا سيقود حتماً إلى تقليص نسب البطالة، وارتفاع دخل المواطن، وبالتالي انحسار البطالة والفقر الذي يرتبط بها، وبالتالي تحسن مستوى الطبقة المتوسطة واتساع رقعتها... وهكذا.
وخلاصة القول التي يمكن أن نخرج بها من التجارب السابقة في معالجة مثل هذه المشاكل، أن العمل المؤسسي المتكامل هو الحل الأمثل والعلاج الناجع، وبدونه ستزداد المشاكل تعقيداً، وتصبح الحلول مجرد أحاديث تروى، وأفعال لا تُرى.
العمل المؤسسي هو الحل!!
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
