لا يزال الفلسطينيون في قطاع غزة، يحبسون أنفاسهم في انتظار الانفراجة التي تؤذن بها البراهين الأكيدة على أن حكومة التوافق قد تسلمت مسؤولياتها على الأرض فعلاً.
وللأسف جاء السياق الذي عُقد فيه اجتماع هذه الحكومة، للمرة الأولى في غزة؛ ليعطي إشارات معاكسة بدت في وادٍ، بينما خطاب وتصريحات رئيس الحكومة ومستقبليه الحمساويين في وادٍ آخر.
ففي سياق “الرحلة” نفسها، كادت الأمور أن تنتكس، وربما كانت انتكست لو لم تكن هناك بضعة أيام فقط، تفصل الحدث التمهيدي عن الحدث الأساسي، وهو التئام المؤتمر الدولي للمانحين لإعادة إعمار قطاع غزة.
ففي رفقة رئيس الحكومة والوزراء القادمين من الضفة، كان حاضراً ــ مثلاً ــ رئيس جهاز أمني في السلطة، وهذا طبيعي لأن جوهر عملية الوفاق هو أولاً وأخيراً، إحلال ولاية السلطة التي يعترف بها العالم، بدل ولاية الأجهزة الأمنية الحمساوية في قطاع غزة.
ومن البديهي أن رئيس الجهاز سيكون معنياً بالالتقاء بضباطه القاعدين منذ سبع سنوات، للتحادث معهم حول أفق المرحلة الجديدة، فيما يُعد افتتاحاً لعملية الإحلال العسيرة.
فما حدث، أن قوة الأمن الحمساوية منعت الضباط من دخول باب الفندق، وارتسم مشهد لا تصالحي، بل ارتسم مشهد موسوم بالخصومة والضغينة.
وإن كان مثل هذه اللقطات، حدث في الحواشي والأجناب، فإن الكلام الحمساوي بلسان المستوى القيادي الباطني بامتياز، ظل معسولاً وباسماً.
فجماعة “الإخوان” ذات مدرسة عريقة في تدبيج عاطر الكلام المحمل بأنبل النوايا وأصدقها، بينما الأفعال في خلفياتهم، أفعال عفاريت.
ففي كل جملة، هناك لفظة توحي بالتقوى، وهذه هي عدة التضليل.
خلال رحلة رئيس الحكومة الفلسطينية والوزراء إلى غزة، كان هناك ما يقلق على مستوى المسعى لبلوغ وحدة الكيانية الفلسطينية وأداتها الأمنية والشرطية.
ذلك لأن هذا المسعى، يتطلب انتفاء أية سلطة أمنية خارج سلطة الحكومة.
فالفلسطينيون ينتظرون شكلاً للمناسبة تتبدى فيه حكومتهم ذات صلاحيات على الأرض.
فقد حدث العكس، وبعضه من تدبير “حماس” المسبق، والبعض الآخر بسبب غياب المعرفة السياسية البروتوكولية عند رجل كان رئيساً لجامعة فأصبح رئيساً لحكومة.
وكانت هناك زلاّت فادحة، إذ تجاهلت القيادة الفلسطينية الدور الذي يجب أن تضطلع به قيادة “فتح” في غزة نفسها، سواء على مستوى التحضير أو برنامج فعاليات الزيارة.
فالمعلوم أن أصل المشكلة هو خلاف بين فصائل، وليس خلافاً بين سلطة و”جماعة”.
لقد بدت المناسبة وكأنها في إطار التجاوز لخصومة غير قائمة بالمرة، بين الضفة وغزة.
الحمساويون من جانبهم، كانوا معنيين باختزال الأمر في تدابير عودة موظفي الحكومة إلى عملهم في المعابر.
وإن كانت هذه خطوة في اتجاه العمل على فتح هذه المعابر وإرجاعها إلى الحال الطبيعية؛ فإن مُتطَلَب السيطرة على المعابر ــ على أهميته ــ ليس هو كل الاستحقاق المنتظر، لكي يبدأ العمل في إعادة الإعمار.
فالمانحون يحملون في جعبتهم، مع المساعدات، رزمة مطالب وبعضها يقترن بتوجهات سياسية متدرجة، أقصاها إنهاء نفوذ “حماس” في قطاع غزة الفلسطيني في المقاومة.
لكن محددات المرحلة، تفرض ألا تقبل الحكومة أي مظهر لأية قوة إكراه تقلب أية طاولة.
فليس من مصلحة فلسطين أن يستفيق الناس على حقيقة أخرى مريرة، أو أن يُقال بأن “الجماعة” ذهبوا إلى ما يشبه المصالحة لكي يفتحوا الطريق إلى الصراف الآلي وإلى المعابر.
ثمة خشية في الأوساط الحمساوية المسلحة، من تخليص الغزيين من قبضتهم الأمنية وبدء العائلات في طلب حقوق الدم.
لكن صيغة الوفاق تشكل ملفاً للمصالحة المجتمعية، وينبغي أن يكون الرهان على تسوية المشكلات في هذا الإطار، وليس بالاستمرار في الضغط على المجتمع بقبضة الأمن.
وهذه معضلة وعقبة كأداء، في وجه تمكين سلطة الوفاق من مسؤولياتها على كل صعيد.