كنت من بين المدعوين لحلقة النقاش المطروحة تحت عنوان (طريق الرسول صلى الله عليه وسلم من عسفان إلى الحديبية) مساء الثلاثاء 14 ربيع الآخر 1436 بمركز تاريخ مكة بالعزيزية، وهي ضمن الحلقات التي تنظمها دارة الملك عبدالعزيز بالمركز والخاصة بتقويم وتثبيت الأطلس التاريخي للسيرة النبوية الذي تنشط لإتمامه الدارة مع مختصين وأكاديميين، وهي بلا شك خطوة علمية رائدة في مضمونها وأهدافها، وكان فرسان الحلقة السابقة الأستاذ عبدالله الشايع الباحث التاريخي والأثري المعروف صاحب المؤلفات التاريخية الشيقة مع الدكتور خالد بن محمد الغيث أستاذ التاريخ بجامعة أم القرى وهو من الأكاديميين المميزين في تخصصه التاريخي مع الدكتور محمد صامل السلمي الأكاديمي المعروف بأطروحاته العلمية وجهوده الإشرافية العلمية بجامعة أم القرى، بالإضافة لمدير الحلقة الدكتور إبراهيم الدامغ عضو لجنة الأطلس النشط (منفذ الوصل بين الفرسان والمداخلين) (بكسر اللام).
وقد سعدت كثيرا (بالورشة العلمية) وغزارة ما طرحه فرسانها من إثراءات كتابية ورقمية وقولية رائعة أضاءت هذا الدرب النبوي العظيم والممتد نحو 75 كيلا من عسفان حتى أطارف مكة الغربية بالحديبية، وكلها تضاريس متنوعة على امتداد الطريق النبوي المبارك من برق ودارات وأكمات رملية وحرار وجبال ورجوب وسهول ووديان وهضيبات وثنايا وفجاج وينابيع وقل معي دون حرج جميع التضاريس التكوينية للبيئة الحجازية بكل تفاصيلها، وقد امتصت هذه التضاريس جميع الأسماء والصفات واستوعبتها تماما ورسمت معالمها وفق منطوق الشاهد المكاني... وهكذا طبيعة الحجاز دوما معالم تاريخية ثابتة وعراقة أثرية شاهدة والناظر لها بالخرائط الرقمية يجدها وعرة وملتوية ولكنها ميسورة على المتقصي اليوم وفق الإمكانات المتاحة... وقد اخترقها النبي صلى الله عليه وسلم مرات عديدة إبان هجرته وصلح الحديبية وفتح مكة وعمرة القضاء وحجة الوداع وكان صلى الله عليه وسلم يعرفها قبل مبعثه عندما كان يدير تجارة السيدة خديجة رضي الله عنها في طريقه للشام.
وتأتت لي خواطر يسيرة، فقد سبق لي وأن كتبت بعض البحوث المنشورة حول بعض من معالم السيرة النبوية ما بين مكة والمدينة ومنها اكتسبت بعض المعرفة للشواهد المكانية، وهو ما دفعني أيضا للمداخلة، فداخلت قاصدا من ذلك أن أكمل ما أستطيعه نحو هذه الورشة، وهذا واجب وهي ملاحظات يسيرة لم تستغرق مني وقتا طويلا.
1- ذكر المؤرخ الأستاذ عبدالله الشايع في حديثه اسم (وادي الرجيع) وقد نبت هذه الجملة عن مسمعي، فلم أجدها في كتب البلدانيات والمعاجم بل والمؤرخين قديما وحديثا وهو يقصد بها رجيع (الفدفد) الذي طار ذكره بوقعة الرجيع، بل وجدت (الرجيع) فقط وهي عبارة عن رجع مائية شبيهة بارتشاحات يسيرة بجانب الحرة الموازية للمقيطع عند قدمها (بضم الميم)، وقفت عليها منذ عام وشاهدتها وهي كما أشرت بشاشات مائية تطفو على سطح الأرض وسببها الجيولوجي ارتشاحات الخزن المائي المحاذي للحرة. وعلى أطراف الحفر نصف الجافة بقايا ملح ناتج بفعل التبخر، ولا يبعد لأكثر من 150م عن فدفد الحرة هذا هو الرجيع، وأقرب واد له هو وادي عسفان ولا يصلها أبدا.
يقول الواقدي في مغازيه: (فخرجوا حتى إذا كانوا بماء لهذيل - يقال له: الرجيع قريب من الهدة - خرج النفر فاستصرخوا عليهم أصحابهم الذين بعثهم اللحيانيون). (مغازي الواقدي المكتبة الشاملة الطبعة الرقمية). حيث كانت تسكن تلك النواحي في العصر الجاهلي والإسلامي حتى القرن السابع. والهدأة هي هدأة بني جابر المعروفة بهدى الشام اليوم ويتبع مركزها محافظة الجموم، وكانت تعرف في زمن النبوة بالهدأة دون أي إضافة، ولكننا نجدها بهدأة بني جابر عند المؤرخين المكيين في القرنين التاسع والعاشر مثل تقي الدين الفاسي وابن فهد الهاشمي ومن جاء بعدهم، وأظنها فقدت (بني جابر من سياقها) مؤخرا ومنحت الشام تمييزا لها عن هدأة الطائف. وما بينها وبين الرجيع قريتان هما الشامية والمقيطع والأخيرة تلي الرجيع.
ويسميها بعض العامة بالوطية استنادا إلى ما يشبه القدم المحفورة بالجبل المجاور لها وتصغر أحيانا بالوطية.
قلت: وقد أجمع المؤرخون ولم يشذ منهم أحد على أن الرجيع هو ماء فقط وليس بواد كما يقول الشايع.
يورد الطبري في تاريخه هذا النص وهو يتحدث عن وقعة الرجيع ومجموعة القراء السبعة أو العشرة الشائع قصتهم يقول: (... فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية من الحجاز من صدور الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا بالرجال في أيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم..). (تاريخ الطبري)، لم يقل شيخ المفسرين بوادي الرجيع وهو ممن يعتد بهم تاريخا وتفسيرا.
ولا نجد من يذكر (وادي الرجيع أنه ذاك الماء المجاور لفدفد الحرة من المتقدمين أو المتأخرين عند أهل السير والبلدانيات والتواريخ والمعاجم).
قلت: وهناك مكان آخر اسمه وادي الرجيع ذكره ابن إسحاق ولكنه بخيبر شمال المدينة المنورة، يقول ابن إسحق: وفق ما نقله صاحب الدرر في اختصار المغازي والسير (... فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر دفع رايته، وكانت بيضاء، إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأخذ طريق الصهباء إلى وادي الرجيع، فنزل بين خيبر وغطفان لئلا يمدوهم).
الدرر في اختصار المغازي والسير ابن عبدالبر مصدر الكتاب: موقع الوراق.
وغالب كتب السير تذكر وادي رجيع خيبر المرتبط بالغزوة التي سر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم يشر أطلس المملكة العربية السعودية الصادر بمناسبة المئوية في طبعته الأولى 1419هـ تحت إشراف التعليم العالي لوادي الرجيع فلعله غير معروف هناك أو تبدل مسماه.
ولا شك أن هناك وادي الرجيع المذكور في معجم البلدان عند الحموي (في غير كتب السير)، ولكنه ليس المعني برجيعنا بل برجيع خيبر، يقول الحموي عن غزوة خيبر:(فأقبل حتى نزل بواد يقال له الرجيع...) ج3 ص 29. ولعلنا في حلقة أخرى نكمل الحديث عن ذلك بإذن الله.
لم يرد اسم وادي الرجيع في أي من التواريخ والمعاجم.. بل ماء الرجيع
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
