حالة الجفاف التي تمر بها المجتمعات قد تتأصل في بعض أفرادها، فتختلف مظاهرها إلا أن مضمونها واحد، لذلك الأبواق كثيرة، تجد متسعا للانطلاق من أي جهة لتلائم من حولها، فيتربصون بالأخبار (القيل والقال) لنقلها لأسيادهم، ويستخدمون السوء الذي يعشعش في دواخلهم، ويصنعون من خلاله العنف القبيح لمواجهة ما يرونه غير صحيح، لم يكتفوا بهذا المقدار بل نصبوا أنفسهم لمحاسبة الآخرين في أمورهم الدينية أو حتى الدنيوية والمحاسبة التي تستخدم بالطبع تثير الاشمئزاز، فهم يعتقدون أن التصدي هو إعلان الحرب السريع لتحذير من تسول له نفسه من هنا أو هناك فيتأثر، ويزداد الجفاف مع قلة الوعي والسبب الإمعة التي صنعها الأسياد الذين لا يرد لهم أمر، وأعتقد أنهم يخافون على أنفسهم من تقديم اعتراض على ما تقوله ساداتهم خشية إزاحته من جانب التصدي واستبداله بأجوف آخر، وهذا ما جعل المجتمع يحتقن ويضرب دون ترو حتى أصبح الهدوء لا ذكر له، بل ربما كان مرفوضا بقرار صادر يحتفظ به، يتم نشره شفهيا من الأعلى حتى بوقهم الصغير الأداة التنفيذية حيث إنه يفتخر بهذا المنصب كونه يعتبر المتصدي الأول، وفي الحقيقة أنه استحمر من قبلهم دون أن يشعر وكيف يشعر والغشاوة تحيطه! فلا استغراب من الضجيج الذي يصدر من نواح عدة، لأنهم معبؤون بالقسوة حد التخمة ولا داعي لطلب المزيد، فالمتصدر حاضر ويقوم بعملية التعبئة دون أن يطلب منه فهذه خدمة سهلة بعكس لو كانت هناك حاجة وذهبوا لهم ليقضوا حاجياتهم، فماذا سيكون؟ فالكثير تراه خاضعا لهم على رغم المذلة والإهانة التي تتكرر إلا أنه اعتاد عليهم ولا غنى له عنهم، فيا للعجب لهؤلاء، وبهذا تبقى الحالة المجتمعية متقهقرة جامدة لا تتحرك، والأعجب حين يرون بأم أعينهم تلك الحقارة، فيرددون ما يرددون، وترديدهم دفاع من غير قناعة، ولكن بحكم اعتقادهم أن عقولهم لا يحق لها التفكير في وجود غيرهم ولا قيمة لها أساسا فمن الطبيعي أن يكونوا هكذا، وإلا سترتفع أصواتهم للقذف، وما أتعسهم في مثل هذه الحالات، فإذا كان السائد بهذه الطريقة، فكيف ينتهي الجفاف!