في حديث هاتفي مع صديقي طالب الدراسات العليا بالولايات المتحدة الأمريكية، أخبرني أنه في كل مرة تظهر فيها قصة سلبية لمبتعث سعودي، كاختفاء عبدالله القاضي، فإنه يضطر إلى اعتماد الخطة (ب) من حياته، كي لا يتعرض للمضايقات.
والخطة (ب) كما يصفها صديقي هي أن تتخلى ببساطة عن طريقة عيشك التقليدية، فلا مجال للتنقل بمفردك، ولا التأخر في العودة إلى المنزل ليلا، ولا استقبال أي شخص لا تربطك به علاقة وطيدة، ولا السفر بسهولة لدول الجوار، ولا الاستدانة أو تحويل أي مبلغ مالي، ولا إطلاق لحيتك، ولا الصلاة في الأماكن العامة، مع اعتماد قاعدة الجمع بين الصلوات، تقديما أو تأخيرا، بحسب يومك الدراسي.
الأكيد أن لكل مبتعث خطة (ب) خاصة به، وهي تختلف من شخص لآخر باختلاف الزمان والمكان اللذين يتواجد بهما، ولكن هذا الأمر، وإن حقق نتائج إيجابية لوقت محدود، يصبح تكراره مع الأيام شيئا مزعجا، خاصة مع تعدد ظهور السعوديين في مناطق النزاع.
المفارقة أن هناك قائمة طويلة من الأسباب التي قد يكون أحدها هو المتسبب في اختفاء القاضي أو مبتعث أستراليا مشعل السحيمي، ولكن عطفا على «السجل السعودي» بعد أحداث سبتمبر الشهيرة، فإن السبب «الإرهابي» يظل هو الأرجح على الأقل في الذاكرة الغربية.
حقيقة لا أستطيع أن ألوم كل من يفكر بهذه الطريقة، عطفا على النماذج الشاذة التي صبغت بسوئها الشخصية السعودية. ولكني أجد نفسي مضطرا إلى لوم كل من قصر في تغيير هذه الحالة، وفي مقدمتهم ممثلياتنا بالخارج، التي ظل دورها رتيبا ومخجلا حيال مواطنيها.
لعل الكثير لا يعلم أن معظم السعوديين الموجودين في الخارج للدراسة أو العمل أو العلاج، يقيمون في تجمعات سكنية متقاربة جدا، لا لسبب سوى ليكونوا على تماس مع طريقة عيشهم التقليدية.
وهذا الأسلوب من الحياة الذي تم على غفلة من ممثلياتنا أو بتحريض منها، فوت عليهم فرصة التعايش والتأقلم مع مجتمعاتهم الجديدة، وبالتالي التأثير والتأثر بها، ناهيك عن وضعهم تحت رحمة التجار والملاك في تحديد أسعار السلع الاستهلاكية وإيجارات السكن.
شخصيا كنت متفائلا بأن تسهم وفود المبتعثين الجدد في إحداث نقلة نوعية، كما حدث في الماضي، ولكن جميع الشواهد تشير إلى أننا ما زلنا في المربع الأول، فلا الصورة السلبية عنا تغيرت عند الآخر، ولا الداخل المحلي لمس تحولا لدى جحافل المبتعثين أو العائدين للوطن.
واقع الحال أن هناك أمورا كثيرة مرتبطة بالابتعاث ما زالت عصية على الفهم، كاعتماد مبلغ محدد للمبتعثين في دولة ما دون مراعاة لفوارق تكلفة المعيشة بين منطقة وأخرى، كذلك رفض الملحقيات الثقافية عمل الطلاب بأجر مالي، وموافقتها على تطوعهم مجانا، أو اشتراطها أن يكون تخصص الدراسات العليا امتدادا للبكالوريوس، رغم عقم هذا الأسلوب مع المتغيرات العلمية.
بقي القول إن خطوة الابتعاث من الأفكار الرائدة التي تسجل باسم خادم الحرمين الشريفين، ولكن أجزم أنه بمرور 9 سنوات لهذا البرنامج، وظهور العديد من السلبيات ومكامن القصور فيه، فإن الوضع لا يحتاج سوى للجرأة للاعتراف بها، ومن ثم العمل على تصويبها بما يحفظ أبناءنا في غربتهم، ويعجل بعودتهم مسلحين بالعلم والأخلاق.
alnowaisir@

