محمد إقبال علم من الأعلام والذي كان يخبئ في قلبه مرارة الهوان التي تعيشها الأمة الإسلامية، فكان يظهرها بين الفينة والأخرى، ويذكر الحجاز والعرب دائما في شعره ونثره، إذ كان يجزم أن صحوتهم هي القادرة على إعادة أمجاد المسلمين الضائعة، كما أنه كان على اطلاع كامل على ما يزرعه ساسة الغرب من السموم الفكرية والحدود الجغرافية على أراضي المسلمين لشق عصاهم، ومن هنا كان ينطلق شاديا، حزنه في شعره، ناصحا أمتهُ، مُظهرا مكائد الشر الذي يحيط بهم

***«مكة وجنيف» عنوان لثلاثة أبيات شعرية في اللغة الأردية كتبها محمد إقبال في ديوانه «ضرب الكليم»، متأثرا بما اتفقت عليه الأمم العالمية الفاتحة وخصوصا الأوروبية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في بداية الثلاثينات الميلادية تحت مظلة تحالف الأمم Nations of League وكان الهدف من هذا الوفاق هو أن تبقى الأمم المشاركة فيما بينها متحدة، وتقوم بحل مشاكلها دون الدخول في هوة الحروب، لكن القصد الخفي منها للدول المؤثرة كان التنظيم ومن ثم الحصول على الفوائد السياسية من الدول الضعيفة، وقد اتفقوا على أن يكون المقر في سويسرا بجنيف، لكن هذا التحالف لم ينجح، بل فقد المصداقية فيما بعد نتيجة عدم القدرة على حل المشكلات التي واجهتهم، وقد حُلَّ على أعتاب قيام تحالف جديد باسم الأمم المتحدة United Nations في الأربعينات الميلادية، فقال محمد إقبال يصفُ مكائد الغرب، والفرق بين رسالة مكة، والتي قصد بها رسالة الإسلام، ورسالة جنيف، يقول في البيت الأول:(اس دور ميں اقوام كى صحبت بهى ہوئى عام


پوشيده نگاہوں سے رہى وحدتِ آدم)1
بالرغم من قيامِ علاقات بين الأمم في عصرنا الحاضر إلا أن الوحدة البشرية ظلت خافية عن أنظار الناس

(تفريق ملل حكمت افرنگ كا مقصود


اسلام كا مقصود فقط ملت آدم)2
التفريق بين الملل والأديان هي الحكمة السياسية التي ينتهجها الإفرنج، أما الإسلام فإن مقصده الوحيد جمع البشرية

(مكے نے ديا خاك جنيوا كو يہ پيغام


جمعيت اقوام كہ جمعيت آدم)3
بعثت مكة المكرمة برسالة فعلية إلى جنيف مفادها أن جمعية الأمم التي أنشئت تنحصر في أمم محدودة، فيما رسالة الإسلام رسالة أخوية شاملة للبشرية جمعاء

وقد نظم عبد الوهاب عزام رحمه الله ذلك في ترجمته لديوان محمد إقبال: (ضرب الكليم) فقال:كم حديث عنِ الشُّعوب سمعناحكمةُ الغرب فرقة الناس ومقال من مكة لجنيواخبريني اليقين: هل عصبة الأقواموحدة الناس حجبت عن عيانِوالإسلام فيهِ توحد العمرانِقد وعاهُ اللبيب في كل آنِخيرٌ أو عصبة الإنسانِ؟