اقترحت دراسة أجريت في نهاية شهر رمضان الماضي، اطلعت «مكة» على نسخة منها، استقلال إدارات المناطق بحيث تصبح جميع أفرع الوزارات مستقلة إداريا عن مقراتها المركزية في الرياض، واتباع طريقة الإدارة بالأهداف، ومحاسبة المسؤولين بشكل موضوعي ومنهجي؛ بما يسهم في دفع عجلة التطوير والقضاء على الفساد الحاصل في الإدارات الحكومية.
وأوضح معد الدراسة، المستشار الاقتصادي الإداري بإحدى الهيئات الحكومية محمد السويد لـ «مكة» أن الدراسة عبارة عن برنامج مقترح قام برفعه للجهات المعنية أخيرا، يعتمد على منظومة من شقين بما يكفل استقلالية فروع الوزارات بالمنطقة ويتم تقييم أدائها عبر ثلاثة مؤشرات أو مقاييس، وبحيث يكون الديوان الملكي الجهة المسؤولة مباشرة عن تنفيذه ومراجعته استنادا إلى تقارير وبيانات يستقيها من مراقبين مستقلين يعينهم.


آليات الاستقلال


وتحدث السويد عن آلية تحقيق هذه الاستقلالية الإدارية، مشيرا إلى أن المنطقة بعد أن أصبح مرجعها الديوان الملكي مباشرة ستتولى التصرف بشكل كامل عبر ثلاثة محاور تنظيمية لتحقيق أهداف المنطقة والأهداف التي يحددها الديوان؛ الأول هو التمويل فتحدد كل منطقة حجم التمويل الذي تحتاجه وكيفية حصولها عليه على أن يكون 50% منه على الأقل عن طريق سندات صكوك الخزينة البلدية الإسلامية. والثاني، الإيرادات والمصروفات التي تحددها كل منطقة للعمليات اللازمة لمشاريع البنية التحتية المحلية فيها، ويستثنى من ذلك مشاريع البنية التحتية التي تخص كل المناطق كمشاريع القطارات بين المناطق، مع منح إدارة المنطقة حرية فرض رسوم مختلفة على الشركات بشكل أساسي والأفراد بشكل ثانوي لاستخدام المرافق العامة بما لا يتعارض مع استراتيجية الدولة بشكل عام. أما المحور الثالث فيتمثل في إعطاء إدارات المناطق صلاحية تنظيم القوانين البلدية المحلية في جميع جوانب عملها.


ثلاثة مؤشرات


ونوه السويد إلى أن الديوان - وفق البرنامج المقترح - سيتولى تقييم الأداء عبر ثلاثة مؤشرات يعين لها مراقبين مستقلين من قبله يستقي منهم التقارير والبيانات أولا بأول. ولفت إلى أن أول هذه المؤشرات يقيس فعالية المناطق إداريا ويتم حسابه بمقارنة كل ريال يصرف من ميزانية المنطقة مع كل ريال من الناتج القومي للمنطقة، ويعتمد الديوان ثلاث شركات محاسبة قانونية محلية أو عالمية لمراجعة أداء كل منطقة بشكل منفصل، وتلزم إدارة المنطقة بنشر ميزانيتها فصليا وسنويا للعامة، أما حساب الناتج القومي للمنطقة فإن إدارة الإحصاء تقوم به حاليا ويمكن تطوير أدائها بتوفير وصلة الكترونية مباشرة مع الديوان الملكي لأغراض استراتيجية ولأغراض الرقابة والتخطيط. أما المؤشر الثاني فيتعلق بمدى تحقيق المنطقة للأهداف الاستراتيجية التي يحددها الديوان، قصيرة ومتوسطة المدى. ويكون للأهداف أرقام ومدد إنجاز محددة وبحيث تشمل جوانب أساسية ككفاءة استخدام التمويل، ومستوى أجور ورفاهية المواطنين، ومساهمة المنطقة في القوة التنافسية للوطن أمام الدول الأخرى. في حين يقيس المؤشر الثالث رضا المواطنين عن الخدمات من خلال استفتاء رسمي يشارك فيه مواطنو المنطقة، ويسمح لوسائل الإعلام ومكاتب الاستشارات المستقلة بإصدار مؤشر غير رسمي مشابه، وتراقب هيئة مكافحة الفساد الاستفتاء الرسمي.


مكافحة الفساد


وأقر السويد بأن تطبيق هذا النظام سيحدث تغييرا شاملا في أداء إدارات المناطق، لكنه لم يستبعد حدوث صعوبات وتحديات عديدة ما يستلزم إنشاء إدارة في الديوان الملكي بمسمى إدارة التغيير، ونوّه بأن البرنامج حال تطبيقه سيسهم في دفع عجلة التطوير والقضاء على الفساد الحاصل في الإدارات الحكومية ونقل مسؤولية المشاكل الاقتصادية والاجتماعية إلى إدارات المناطق. كما أن استقلال إدارات المناطق سيدفعها للتنافس لتقديم الأفضل لسكانها، مشيرا إلى أن اشتراك صكوك الخزينة الإسلامية كأحد مصادر التمويل لميزانية المنطقة سيقلل من التلاعب في قيم مشاريع البنية التحتية، لأن الميزانيات ستكون معلنة، وبالتالي ستسهل المقارنة بين ميزانيات المشاريع في مختلف المناطق. وبيّن أن من محاسن هذا البرنامج أن تتولى إدارات المناطق إعادة هيكلة العمل الحكومي بأقل التكاليف، لأنها ستكون محاسبة على عملية الصرف لاعتمادها في التمويل على صكوك الخزينة، لافتا إلى أن الوقت حان لتطبيق هذ النظام دون تأخير مدللا على تراجع أداء بعض الإدارات الحكومية بإسناد عديد من المشاريع لأرامكو.


دراسة تستحق التطبيق


وفي السياق ذاته، اتفق رئيس مكتب الدراسات الإدارية بكلية الإدارة والاقتصاد بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور حبيب الله تركستاني مع أهداف الدراسة ومع تطبيق البرنامج، قائلا لـ»مكة» إن أي دراسة تهدف إلى تطوير العمل الإداري وتسريع وتيرة التنمية وتحقق أهدافها بأسرع وقت وبأفضل إدارة للموارد المالية هي دراسة جديرة بالتطبيق وأن تؤخذ بالاعتبار، لأننا في السعودية لدينا كثير من الخطط والأهداف، لكننا نعاني بشكل كبير من عدم وجود إدارة جيدة، ومن البيروقراطية والمركزية التي تعد سرطان التنمية الأول وتعطل وتبطئ عجلة التنمية.
وقال «نحن بأمس الحاجة لمراقبين مستقلين يقيمون أداء الإدارات الحكومية، كما نحتاج إلى مكاشفة توضح هل تمكن المسؤول من تحقيق الأهداف الموضوعة له خلال مدة زمنية معينة بعدما توفرت له الميزانية المطلوبة أم تعثر».
ورأى أن يتم تقييم الأداء سنويا، بحيث يستبعد بعدها المسؤول الذي يخفق ويؤتى بغيره، مؤكدا أن أي دراسة تحقق أهداف الدولة الاستراتيجية لرفاهية المواطن جديرة بالتطبيق.