تهجير كبير ومتعدد مسّ التاريخ العربي منذ القرن الخامس عشر وحتى اليوم، وحوله بعمق: سقوط غرناطة النهائي وما تبعه من نتائج وخيمة على سكان لم يعرفوا أرضا غير الأندلس.
تهجير استمر من سقوط غرناطة في 1492 حتى 1609 حيث صدر قرار الطرد النهائي الذي أنزل العرب والمسلمين إلى الحضيض، وشردهم بشكل غير مسبوق، خالقا جرحا عميقا لم يشف العرب منه حتى اليوم. استند فعل الطرد على اتفاقيات سرية مع آخر ملوك بني الأحمر محمد الصغير.
حالة التشريد كانت فجائعية إذ وجد أكثر من مليون إنسان أنفسهم مرميين على السواحل بلا أي شيء، يجمّعون ليبعثوا نحو الضفاف الأخرى.
التهجير الثاني الذي لم يكن أقل خطرا، فقد تم تدمير اللحمة العربية جغرافيا وروحيا أيضا بناء على اتفاقيات سايكس بيكو. إذ تم بموجبها تمزيق البلاد العربية والطرد الجماعي من الأراضي ووضع حدود قاسية لم تكن موجودة، فتم نقل الملايين من الناس من موقع إلى موقع، وتم خلق كيان جديد سيحمل لاحقا اسم إسرائيل، سيتحكم في أنفاس الدول العربية.
التهجير الثالث نكبة 1948. فقد كان فجيعة جديدة تضاف إلى ما سبق. شعب فلسطيني أقام قرونا في أرض هُجِّر منها ليواجه مصيرا قاسيا وأقدارا تتكرر باستمرار منذ أكثر من نصف قرن. ويرتسم في الأفق اليوم تهجير آخر، وهذه المرة ستكون مرارته أقسى، ترسمه الثورات العربية التي فقدت زمام المبادرة لأيد أقوى منها.
هذه اللحظات التاريخية وغيرها، كانت حاسمة وغيرت التاريخ والجغرافيا، وخلقت أوضاعا غير مسبوقة بالقياس للفترات التي حدثت فيها، مخلفة دمارا شاملا وتهجيرا وحالات إنسانية تستحق أن تتحول إلى ملاحم سينمائية كبيرة.
وعلى الرغم من الإدراك بأن السينما أصبحت اليوم الوسيلة الفنية الأهم لقراءة التاريخ قراءة حية، إلا أنها لا تعني الشيء الكثير عربيا. كم يحتاج العرب إلى تسخير جزء يسير من أموالهم لهذا التهجير، لاستعادة التاريخ ووضعه في متناول الأجيال الجديدة الغارقة في النمطية والتسليع والاستهلاكية.