لم تعد الحركة العلمية المرتبطة بالحج كسابق عهدها من حيث الإنتاج الثقافي المتعلق بهذه الشعيرة، ومن حيث الحركة العلمية الكثيفة في تلك الحقبة، والتي أوجدت مناخا ثقافيا، وخلقت تلاقحا فكريا كبيرا بين العلماء وزوار المدينتين المقدستين من كل مكان.
وأرجع مثقفون قوة النتاج العلمي حينها بالنظر إلى كثرة معالم المدينة المنورة التاريخية الموجودة في تلك الحقبة المبكرة.
الحركة العلمية والآثار
الباحث والمؤرخ سعيد طولة يرى في حديثه لـ»مكة» أن للرحالة خصوصا من بلاد المغرب دور كبير في بروز الحركة العلمية في المدينة سابقا وقد كان بينهم علماء وأدباء يملكون القدرة على التدوين العلمي الرصين، تدفعهم للكتابة قضيتان الأولى ترتبط بالآثار النبوية التي كانت منتشرة في أرجاء المدينة، وكذلك الحركة العلمية والثقافية بالعموم، وهي ما جعلت الجانب الآثاري يطغى في كثير من كتب الرحلات التي وصلت إلينا، والجانب الآخر يتعلق بالمكتبات والعلماء والمشايخ.
وأضاف طولة أنه تم خلال تلك الرحلات والمدونات رصد الحوار العلمي بين العلماء حيث كانت تحدث مناظرات ثقافية ومساجلات علمية، مشيرا إلى أن غالب تلك الرحلات مغاربية تتوزع بين تونس والجزائر وموريتانيا إضافة للرحلات الهندية.
وبرزت تلك الرحلات خلال القرون الـ11و12و13 الهجري فيما لا تزال كثير من المخطوطات المتعلقة بالحركة العلمية في الحج تنتظر من يخرجها إلى النور.
وأشار طولة إلى أهمية أن يكون للمؤسسات الثقافية دور في استقطاب أعلام الفكر من العالم الإسلامي كي يحدث تلاقح علمي يثري الحراك العلمي في هذا السياق.
المسجد النبوي دار للعبادة والفكرمن جهته يرى الباحث في تاريخ المدينة المنورة عبدالله كابر أن تميز الحراك الثقافي المرتبط بالحج في الفترة المتقدمة يعود إلى المسجد النبوي، والذي كان محور الحياة في المدينة قبل ظهور المؤسسات الأكاديمية والعلمية حيث خرّج المسجد النبوي العشرات من أساطين العلم، فيما تحول اليوم إلى أشبه ما يكون بدار للعبادة غالبا، ولم تعد الصلات الثقافية كسالف عهدها بين مثقفي المدينة، ومن يفد من علماء ومثقفين لأداء مناسك الحج لا يلتقي بهم أحد.
وأشار كابر إلى أن الحراك العلمي لم يكن مقصورا قط على المطبوع من مؤلفات وإنما كان يحدث حتى على مستوى المجالس واللقاءات العلمية والتي كان يعقد بعضها لمن يفد من أعلام في الحج وكذلك اللقاءات التي كانت تحدث في جنبات المسجد النبوي، والتي عادة ما تطرح فيها مسائل علمية يدور النقاش حولها وتستقطب آراء متنوعة.
غياب التنسيق
ويرى كابر أن من الإشكالات كذلك أن عددا واسعا من المؤسسات والمراكز الثقافية عادة ما تكون في إجازة خلال موسم الحج فيما كان من الممكن استثمارها ثقافيا بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وأضاف كما يغيب التنسيق بين الملحقيات الثقافية في بعثات الحج المختلفة، والذي من شأنه أن يساهم في رفد الحراك العلمي المتعلق بهذه المناسبة العظيمة.
ولم ينكر عبدالله كابر دور بعض المؤسسات الثقافية كأدبي المدينة والذي استضاف في فترات سابقة عددا من الأعلام منهم أبو الحسن الندوي، ويأمل كابر أن تواصل تلك المؤسسات ذات الدور، مؤكدا أن جميع العلماء يدفعهم الحب من كل أنحاء العالم لخدمة المدينة تقديرا لمكانتها الدينية والثقافية.

