استيقظت الحكومة السودانية بعد نوم عميق دام قرابة عقدين من الزمن أسست إيران خلالهما بشكل عميق لتواجدها في الداخل السوداني وعلى عدة مستويات: اجتماعية، وثقافية، وإعلامية، ومذهبية وسياسية.
لقد تحرك الشعب السوداني المسالم والبعيد عن كل التعقيدات السياسية والأيديولوجية، بعد أن شعر بالخطر الذي يهدد البلاد، ثقافيا وعقائديا وسياسيا، فقام بعض الدعاة والوعاظ ورجال الفكر والثقافة بتنظيم حملات تحذر من الأخطبوط الإيراني، وخططه لاستهداف السودان والتنديد بأنشطة المراكز الثقافية الإيرانية والسفارة الإيرانية في البلاد والمشاريع الطائفية التي تأخذ على عاتقها التشكيك في بعض المذاهب والمدارس الإسلامية وشيطنتها مقابل استغلال الحب الكبير الذي عرف به السودانيون للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته الطاهرين، في سبيل استمالة وكسب أنصار وموالين للمعتقدات الشيعية الاثني عشرية التي ترفع شعار آل البيت والعزف على هذا الوتر لتحقيق مكاسب سياسية بحتة.
واستجابت الحكومة السودانية لهذه النداءات، وقد تكون هناك أسباب أخرى لم يكشف عنها بعد، دفعتها لإصدار قرار بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في عموم السودان والطلب من بعض الدبلوماسيين الإيرانيين مغادرة الأراضي السودانية.
لكن من المؤكد أن العلاقة مع طهران أدت إلى اتساع عزلة السودان على المستويين الإقليمي والدولي وكانت الخرطوم قد تأثرت علاقاتها مع الدول العربية، خاصة مصر والمملكة العربية السعودية، بسبب التقارب مع إيران.
في هذا الصدد، هناك تيار مهم في الحزب الحاكم في السودان يعارض، إلى حد ما، فكرة التحالف مع إيران لأهداف عسكرية وأمنية بحتة ويطالب بالتعامل مع طهران وفق سياسة براجماتية بحتة.
إلى ذلك، وفي تعليق له على قرار إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في السودان، يقول عبدالله أحمد عثمان سفير السودان لدى المنامة في حوار مع صحيفة “الأيام” البحرينية: لاحظنا أن المراكز الإيرانية قد بدأت تخرج عن دورها المتفق عليه وفق نصوص الاتفاقات الموقعة بين البلدين والشروع في نشر المذهب الشيعي والدخول في مواقع التواصل مع جهات ليست من اختصاصات هذه المراكز، وتم تنبيهها أكثر من مرة بأنه يجب الالتزام بالاتفاقات وعدم تجاوزها، ولكن لم تتم الاستجابة من جانبهم لهذه التنبيهات المتكررة، وحفاظا على أمن المجتمع وسلامة الفكر في السودان وعدم نشر أفكار لم تكن موجودة في المجتمع السوداني حيث التدين الإسلامي الطبيعي، اتخذت القيادة السياسية هذا القرار، وهو نهائي لا رجعة فيه وتم إبلاغ الجانب الإيراني بذلك، وتم تنفيذه.
المعارضة السودانية، ممثلة في المؤتمر الشعبي، نددت بقرار الحكومة بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية، حيث أعلن الأمين العام للمؤتمر، حسن الترابي، رفضه إغلاق هذه المركز، داعيا الحكومة للتراجع عن القرار، واصفا إياه بـ “الخطأ” وأنه “جاء استرضاء للسعودية” على حد وصفه.
ورأت المعارضة أن القرار مقدمة للتضييق على بقية الأحزاب السياسية.
وطالبت الحكومة بضرورة التراجع عن قرارها.
وختاما، لعل السؤال الذي سيبقى، ربما، مطروحا لسنين مقبلة يتمثل في هل ستنجح السودان في اجتثاث قواعد المشروع الإيراني في تلك البلاد والبذور التي زرعتها على مدى أكثر من عقدين كاملين في الداخل السوداني؟ وهل ستعمل طهران على تحريك من نجحت في أدلجتهم أو التأثير عليهم لتنفيذ مشاريع سياسية ومذهبية في السودان في قابل الأيام؟ وأخيرا، هل ستكون الحالة السودانية درسا ملهما لدول عربية أخرى ظلت إيران تنخر في مجتمعاتها وتزرع خلاياها داخلها بهدف تحريكها عند الحاجة؟ الزمن سيكون كفيلا بالإجابة على كل هذه الأسئلة أو بعضها!