إذا أردت أن تلخص بعبارة واحدة : معاناة الأوضاع المالية والاقتصادية في معظم دول أوروبا ( منطقة اليورو )، وتباطوء النمو الاقتصادي في الصين والركود في اليابان، ومحاولات أمريكا لمعالجة سلبيات التجارة العالمية، لقلت أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة غير مسبوقة من ( عدم اليقين ) عند أكثر المتفائلين بالمستقبل الخبير الاقتصادي المعروف " مايكل بيتيس " أستاذ التمويل والاقتصاد في جامعة بكين، والزميل البارز في مؤسسة كارنيجي، والمحلل الشهير للاقتصاد العالمي في الصين وأوروبا، يقدم لنا في كتابه الموسوعي الجديد منظورا شاملا يربط بين التجارة العالمية وأسعار الصرف، وتدفقات رأس المال العابر للحدود، والاستثمار والسياسات المالية، والعلاقة بين المراكز والأطراف في العالم، محذرا من أن تجاهلنا لاختلالات الاقتصاد التي تربك الاقتصاد العالمي اليوم سوف تعرضنا جميعا للخطر.
والفكرة الأساسية والعميقة التي يطرحها في هذا الكتاب هي : لا بديل عن إعادة التوازن العظيم، وتفعيل استراتيجيات الترابط الاقتصادي العالمي في المستقبل بيتيس يدلل على أن الخلل الحاد في الميزان التجاري أدي إلي الأزمة المالية الأخيرة، وكان ذلك نتيجة لسياسات خاطئة شوهت الادخار وأنماط الاستهلاك في بعض الدول.
ومن ثم يدرس الأسباب الكامنة وراء هذه السياسات المزعزعة للاستقرار، كما انه يتوقع اختلالات اقتصادية حادة من شأنها أن يكون لها آثار طويلة الأمد في جميع أنحاء العالم، ما لم تبدأ من الآن.
حسب " إدوارد تشانسلور " المحلل الاقتصادي في صحيفة " وول ستريت جورنال "، فإن هذا الكتاب يجب ان تقرأ من قبل: (أ) السياسيين ومحافظي البنوك المركزية وأي شخص آخر له علاقة مباشرة بسياسة الاقتصاد الكلي؛ (ب) جميع الاقتصاديين في العالم (ج) جميع طلاب الاقتصاد في الجامعات (د) أي شخص مهتم بإعادة التوازن العظمى.
ورغم أن بيتيس ينطلق في كتابه من تداعيات التجارة العالمية لا سيما نموذج " الصين "، فإنه اتخذ " الأزمة المالية " كأساس لدراسة حالة مثالية، يمكن أن نستفيد من نتائجها في المستقبل أو علي الأقل لا نكرر الأخطاء التي قادتنا إلي هذه الأزمة.
وهو في ذلك يؤيد نظرية " باري آيتشنجرين " أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا ( بيركلي ) التي صكها قبل خمس سنوات، ومفادها : " إن منع أزمات مالية مشابهة من الحدوث في المستقبل يتطلب حل مشكلة التوازن العالمي ".
وهذا سوف يعتمد أساسا علي قرارات تتخذ خارج الولايات المتحدة وتحديدا في الصين.
لم يحدث قط في التاريخ الحديث أن وجد مثل هذا الترابط الكامل بين الدولتين المتنافستين : الصين والولايات المتحدة.
فكل منهما تستطيعان ان تلحقا الصرر ببعضهما البعض ، وبنفس القدر، وهو أمر جديد كل الجدة ولكنه مطمئن في نفس الوقت بالنسبة لمستقبل السلام العالمي.
الجديد الذي يطرحه " بيتيس" هو إبراز كيف يمكن للسياسات الاقتصادية أن تحمل تداعيات سلبية في جميع أنحاء العالم، ومن هنا فإن إعادة التوازن العظيم تستلزم أن يلتفت صناع السياسات في العالم إلي " قوانين الاقتصاد الكلي " .
وهو يكشف – ربما للمرة الأولي – عن الأسباب الحقيقة المثيرة للاهتمام لاختلالات التجارة ورأس المال التي أنتجت الأزمة المالية عام 2008.
يقول " بيتيس " : " أن الفجوة الهيكلية بين الاستهلاك المحلي للصين والإنتاج هي السبب الرئيسي لسعيها إلي تحقيق النمو الذي تقوده الصادرات المختلفة من خلال تكديس العملة .
فقد أضر الادخار الصيني للدولار إلي اليوم بالمدينيين اليونانيين والمصرفيين الأمريكيين، ومن ثم لابد من اصلاحات داخلية عميقة وعاجلة في جميع البلدان التجارية من أجل " إعادة التوازن العظيم " وتجنب الأزامت المالية المستمرة.
الكتاب : The Great Rebalancing: Trade, Conflict, and the Perilous Road Ahead for the World Economy 232 pages Publisher: Princeton University Press (January 22, 2013) Michael Pettis