قبل قليل قرأتُ للمرة الثانية في يومٍ واحد، خبر اقتحام الكيان الصهيوني لحُرمة الأقصى الشريف.
أخذتُ قلمي بعد أن تهت واحترت فيما أكتبه، الدواوين قد أحرقت في معبد عشق فلسطين والأوراق قد انتثرت في هواها قرابين، وما زلنا كما نحن، يتحرك الصخر فتخرج منه أنهارٌ ونبقى نحن كما نحن سامدين، نأخذ سجادة الصلاة وندعو قليلا ثم نعود لنكمل حلقة التصفيات من ذلك البرنامج الذي لا نفوّت له حلقة وفي أيدينا ما يسلّينا وعن همّنا ما ينسينا، وفي عتمة هذا الليل، هناك.. في أرض المحشر، سند الحديث النوبي يكتمل في أرض الرباط والجهاد، حين يضلّ كل الناس وتبقى عُصبة الشام على الحق حتى تقوم الساعة.. اللهم لا عذر لنا نقدمه بين أيدينا إلا هم، إنهم خيرٌ منّا وما نحن عندهم بشيء.
إني أخاف يوما يستبدلنا الله كما استبدل غيرنا، يأخذ منّا ما نحن في دعة وراحة به، فنعود مصفرين مقفرين لا حول لنا ولا قوة، وإني حين أكتب، أستحضر في عقلي وقلبي قول ربي «إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم» فالثانية شرط الأولى وأمارتُها، فأين نحن منها وأين منا كتاب لم نقرأه إلا لماما وفيه كل أمرنا وفيه الإمامة لنا والدليل الهادي والسراج المنير، لا تعتذروا عن جرمكم وإضاعتكم لقدسكم فقد اعتذر قبلنا من سبقونا ولا أظن هذا بنافعنا.
ولأُعيدكم إلى رائحة قد تعطسون من قدم ما فيها من غبار وتأنفون ذكر ما فيها من أخبار! ولكن كما اعتدنا واعتادت أسماعنا، كان يا مكان، في قديم الزمان، في مدينة يقال لها بغداد وكانت بين نهرين وفيها من الطيبات ما لم يجمع في سواها وإلى جنباتها يأتي كل خير، أهلها كانوا في راحة والكل يصفّق لأهل الطرب والكل عالي المزاج و مسرور الفؤاد.
وفي مدينة أخرى تبتعد عنها بعرف اليوم قليلا وفي بعد الأمس كثيرا، دخل قوم عليها لا يعرفون من الرحمة شيئا ولا من الإنسانية ومبادئها إلا أحاديث في الغابرين، فاجتاحوها ونهبوها وقتلوا من الناس الذين فيها ما رووا به حيوانيةً كانت فيهم وارتكبوا من الفواحش ما يقزز قلمي من أن يكتبه فعودوا لكتب التاريخ فإنها لم توفره عنكم.
كانت الأخبار تصل إلى بغداد عن مدينة بالقرب منا صار فيها ما صار، والناس مثلما هم، لم يتغيروا! ما زالوا في طرب وما زالوا في هناء! وعذرهم أنهم في أمان وظنهم أن هذا لهم على الدوام، وفي يومٍ من الأيام وفي ليلة لم يطلع بعدها صباح على بغداد بعد زمن، دخل الجيش المجنون الذي لا رحمة فيه قادما من المدينة التي على القرب والبعد سواء، دخل حواف مدينة السلام وأسوارها وبدأت الناس تخاف والخليفة ما زال دونهم، يفعل ما كانوا يفعلون، بل في راحته أكثر منهم وفي تدثره بألفاظ الأمان وأوهامها كان أشد منهم تمسكا، حتى اقترب الخوف وصارت الناس في حذر والكل قد علم بمقدم هؤلاء المجانين، وخليفتهم كما هو ما زال في عماه، حتى أتاه سهم يوما من نافذة قصره، كاد أن يصيبه، ولكن القدر يومها جانبه، فأكمل ما هو فيه من لهوه ونسي وكأن الجنود ليسوا على حواف مدينته التي بناها المنصور جدّه، وما هي إلا أيام حتى دخل المجانين وسالت دماء الذين كانوا بالأمس آمنين واخترقت بيوتهم ومن أمامها ذهبت أعراضهم وهم لا حول لهم ولا قوة وفي غمضة من ذلك رأى أحدهم صورة المدينة التي استصرختهم بالأمس حاضرةً أمامه الآن، والنهران اللذان كانا يتعانقان حولها صارا من لوعة الجهل معبرا من فوق الكتب لهؤلاء الحمقى، فضاع من بين أيديهم كل شيء، وما نفعت يومها أحد كلمات الأمان التي أشادوا بها أو تأويلات الدعة التي كانوا يلجؤون لها! فهل نكتفي اليوم بدعوة على عجل ونعود لنرى حلقة التصفيات من البرنامج الذي اعتدناه!!

