انتهى موسمنا المحلي على خير.. أربعة أشهر مفعمة بالحراك والعراك انقضت.. كما انقضى مثيلها في السنوات الماضية.. تماما (بالتفاصيل ذاتها والأشخاص أنفسهم والأحاديث عينها).. الثلث الأخير من العام الهجري.. عمل فيه (الربع لدينا) كل شيء: اختلفوا حول دخول الأشهر، والمواقف المناسبة للسيارات عند القيام بأداء عمرة رمضان (مع ملحق خاص بالزمن الأسرع لأداء هذه السنة المباركة).. تعبوا جميعا في البحث عن ملابس لعيد غائب واشتكوا من لوعة الأسعار، ومن قلق النوم ومن كآبة ما بعد أيام العيد الأولى... انقسموا إلى فرق سياحية نحو بلدان العالم (مع الشكوى الأبدية من غلاء الأسعار).. عادوا ثانية للأسواق لشراء مستلزمات الدراسة، تحدثوا من جديد عن غلاء الأسعار، وعن صلف إدارات المدارس المجاورة بقبول أبنائهم وبناتهم، كما استفهموا مديدا عن غموض الطرق الدراسية الجديدة للمرحلة الثانوية (هذه السنة صادفوا وجود ما يسمى بالنظام الفصلي)، فرحوا بإجازة اليوم الوطني وبدأ الحدث (إياه في كل مرة) عن مشروعية الاحتفال به، وعن التصرفات اللا مسؤولة من الشباب والمراهقين الذين استمرؤوا (ربط) نوازعهم الجسدية الآثمة بـ (يوم الوطن)!.. استقبلوا موسم الحج سريعا وبدأ الحديث مبكرا عن الحملات المناسبة للحج (وأيضا عن غلاء الأسعار لتلك الحملات وللذبائح ولكل شيء).
كان يتخلل ذلك الثلث السنوي عادة جدال حول فتوى (أو طلعة عجيبة) لنجوم الفقهيات الموسمية ما بين مؤيد ومعارض، أو نقاش سطحي عن السياسة في بلاد الثورات العربية!
تراكم هائل من الأحداث: إجازة سنوية ورمضان المبارك والعيد السعيد والرحلة الموسمية خارج البلاد وتداعيات بداية العام الدراسي الجديد واليوم الوطني وموسم الحج بحملاته ومكتسباته وذبائحه... (مع الدخول في قائمة المتصارعين حول مشروعية فتوى الموسم التي اعتادوها من بعض الدعاة الكرام، أو في قائمة المناقشين ببرود الحدث السياسي في البلاد العربية: كما هو الحال مع «داعش» لهذا العام!!
حسنا، وبعد؟ ماذا بعد كل ذلك (الضجيج)؟ وكيف سيكون التفاعل نفسه مع الثلثين الجديدين للعام الجديد؟ وما مدى استجابة (الربع) لما بعد هذا الثلث المشبع بالتراكمات؟!
أزعم بالعديد من القرائن أن (ربعنا) لا يميلون عقلا ووجدانا لغير هذا الثلث السنوي الصاخب.. أتدرون لماذا؟ ربما لأن (ربعنا) اعتادوا العيش خارج ذواتهم الحقيقية.. إذ (لا عوالم) خاصة تفصح عنها حياتهم المتجهة إلى الخارج دائما! ما يكرهه (الربع) أن يجدوا أنفسهم وحيدة خالية من الآخرين.. من أصدقاء الاستراحة.. من الأهل.. من المتفاعلين عبر الوسائط المتعددة.. من زملاء العمل.. لأن العالم الفارغ من الآخرين (يفضح) الذات المنفردة عندما تصطدم بخوائها من المشبعات الذاتية.. من الإمكانات الحياتية.. من الشواهد الكونية.. إذ لا رواية تنتظر على المكتب قراءة فصلها الأخير.. ولا بتهوفن يطل من علٍ ليستأذن في أخذ الساكنين إلى عوالم شفافة من الحنين إلى ملكوت لا نهائي... لا ذائقة فنية ترتب الأشياء وتكتشف التقاطعات.. ولا حسا معرفيا أقحم صاحبه في حمى عصر سحيق من الإثارة والدهشة، ونسي أن يخرجه من جديد..
لا (قرصا مصقولا) ينتظر أصابع شفافة، تحتضن رقته، ليبث صوره السينمائية لفيلم ضارب في الأنساغ القصية للإنسان، الذي يريد إعادة اكتشاف نفسه من جديد.. ولا نباتات فتية تآلفت مع قطرات الماء المعجونة بندى أرواح الساقين، لتعود تترقب من جديد تلك القطرات الباذخة!
حقا.. فليس ثمة ما (يصنع) في الداخل.. في العالم (الخاص) الذي من المفترض أن يستجير به الإنسان عندما يستبد به الضجيج والعراك.. ورائحة الدماء المراقة على الأرصفة.. وتحت الأشجار!.. ليس ثمة ما يستند عليه الإنسان في عالمه المنفرد.. فلا بديل إذن عن الاحتماء بجماعة الناس، والاختباء بين وجوههم المتشابهة.. لا بديل عن الانضمام في كل مرة إلى الكرنفال الجمعي المألوف الذي يستتر به الجسد من خواء روحه وفراغ عقله.. لأن (تكلفة) ذلك الانضمام إلى هذا التكتل البشري، ليست بالكثيرة أو الصعبة، فكل ما هناك هو ممارسة الطقوس السنوية ذاتها التي تآلفت عليها الجماعة من أبد الآبدين، والمشاركة بصوت يخرج مدويا، ليغني عن دلالته وفكرته وخصوصيته أمام الآخرين، الذين لا تهمهم الفكرة بقدر ما يشغلهم الصوت.. ولا يلتفتون إلى النداء لاهتمامهم بالصدى!!
(صخب) الأشهر الأربعة يواري (خواء) الذات المحلية!
فيصل الجهني3 دقائق للقراءة

حجم الخط
