تسعى الدول الرشيدة جاهدة إلى بلوغ أقصى مستوى لرعاية مواطنيها وتسهيل أمورهم، وفي سبيل هذا الهدف تعمل على اختصار خط سير الإجراءات اللازمة لتحقيق المطالب وتلبية الاحتياجات، عامها وخاصها. ومن الإنصاف أن يُذكر الدور الذي تلعبه الدولة السعودية لتوفير الرفاهية لمواطنيها والمضي قدما بكل الوسائل لتعظيم الموقف، ومن العدالة أن توصف بالأنموذج وترفع لها القبعة.
غير أن الطريق إلى النقطة المرضية حد الارتياح ليس باليسير، وهذا ليس عيبا، فلكل هدف تحديات يلزم لتفكيكها وتجاوزها أكثر من جهد وأكثر من محاولة وأكثر من طاولة نقاش وعصف ذهني، وهذا لا شك من مسؤوليات (الحكومة) وأعني الوزارات والمصالح والهيئات التي يتوقع المجتمع منها في ظل الحماية المالية وما يرافقها ويلحق بها من مبادرات سيادية لخفض حجم العقبات التي تعترض طريق التنفيذ، عطفا على رغبة الدولة في اللحاق بمستويات المعيشة التي تتمتع بها الدول المتقدمة ولرغبة الدولة أيضا في تحقيق الدرجة المناسبة من التسهيلات اللازمة لتخفيف بيروقراطية سياسات وإجراءات العمل لصالح المواطنين، البيروقراطية التي تحتضن الروتين وتسمنه، البيروقراطية المتخصصة في إطالة أمد المراجعات ورفع درجة التذمر.
وهنا يكون من المهم أن أشير إلى مسألة أرى أنها تلقي بظلالها الداكنة على الحكومة والمواطنين في آن واحد، والطرفان في كل الأحوال يتقاسمان ضغطها ويصدرانه لبعض في هيئة تبادل أدوار.
باختصار، الحديث يدور حول وثائق تملك الأراضي التي تصدرها وزارة الشؤون البلدية عن طريق فروعها للمواطنين، وكذلك وثائق التملك التي تصدرها وزارة الزراعة لتمليك المواطنين أراضي زراعية، والمسألة غير مقصورة على هاتين الجهتين، ووزارة الإسكان لا تحظى بأي استثناء، وقد آلت لها بعض الأمور المتصلة بالمسألة. والسؤال المطروح: لماذا يستدعي الأمر إحالة هذه الوثائق بكل أنواعها إلى المحاكم الشرعية لإثباتها طالما أنها وثائق رسمية من جهات رسمية تحمل الصفة الاعتبارية، وصدورها (أي وثائق التملك) في الأساس مبني على إرادة سامية أو أمر ملكي؟ لماذا تشغل الجهات العدلية بإجراءات إفراغ الملكية من الجهات الحكومية إلى المواطنين؟ ولماذا لا يكتفى بهذه الوثائق كمستند لا يستدعي زيادة توثيق طالما أن الملاحظ على الواقع يشير بصراحة إلى أن ما يتم في المحاكم لاحقا لا ينقض ملكية ولا يزيد من حجمها؟
وإذا كان هناك من ضرورة، فمن المقترح أن يُصادق على عمليات البيع والشراء بين المواطنين من مكاتب تصديق في الجهات المعنية بهذه الوثائق. البلديات فيما يخصها، والزراعة فيما يعنيها، وقضايا الاختلاف إن حدثت تبقى محل نظر الجهات الشرعية.
يبقى في الخلاصة أن أقول لعزيزتي الحكومة: هل من رؤية مشتركة تبادرون بها للحد من استمرار العمل بمقتضى «الإثبات الشرعي لوسائل الإثبات الصادرة من الحكومة»؟
المسألة موغلة في الروتين، متعبة للمواطنين، ومستهلكة لجهود الجهات العدلية.

