هذه ليست حفرة (الصرف الصحي) الأولى، التي تبتلع أبرياء آمنين يسيرون في طريقهم، ولن تكون الأخيرة، فمنذ نحو ثلاثين سنة ونحن نقرأ ونسمع عن ضحايا هذه الحفر، والبيارات، المفتوحة التي تتحفز لمباغتة ضحاياها وابتلاعها، وفي كل مرة تذهب أرواح هؤلاء هدرا فالبلديات تتبرأ وإدارات المياه تتجاهل، والدفاع المدني يسارع إلى انتشال الجثث، ثم إنا لله وإنا إليه راجعون.

أمانة جدة سارعت إلى إعلان براءتها وهربت من المسؤولية عن حفرة شارع التحلية التي ابتلعت طفلا وأباه أمام عيني الأم المكلومة، ولم تتحدث أي جهة أخرى عن مسؤوليتها، وهذا يدل على أن المخالفات التي تحدث في هذا الصدد لا رقيب عليها ولا عقوبة لها، فلو أن مالك السوق التي كانت الحفرة الفاغرة أمامه، يعرف أن هناك عقوبة ضخمة رادعة لمثل هذا الإهمال القاتل، لما حدث ما حدث، ولردعت غيره ممن يرتكبون مثل هذه المخالفات القاتلة، ولو أن الجهات الرسمية المعنية تعرف أنها ستتعرض لعقوبات ومساءلات لما تهرب مسؤولوها أو صمتوا وكأن الأمر لا يعنيهم.
أمير مكة الأمير مشعل بن عبدالله بادر فورا إلى تشكيل لجنة للتحقيق والتحري واتخاذ العقوبات اللازمة بحق المتسببين، والمأمول أن تسارع اللجنة إلى القيام بمهمتها، وأن تعلن الجهة المتسببة، والعقوبات الرادعة بحقها، بل وأن يتم إعلان تلك العقوبات عبر كل وسائل الإعلام ليس لرغبة في التشهير بالمتسبب، بقدر ضرورة تعميم ذلك ليصل إلى كل الناس، فيرتدع المخالفون ليس في جدة فقط بل في كافة أرجاء المملكة، ولو أن شيئا من هذه العقوبات الصارمة حدثت منذ زمن لما تفشى هذا الإهمال المميت.
الأجهزة الحكومية (البلديات وشركة المياه الوطنية) وكل الشركات التي تحفر وتدفن في شوارعنا، كلها مسؤولة عن هذه البيارات والحفر الفاغرة في كل مكان، ولا يجوز أن نهب ونشكل اللجان عند أي كارثة، ثم تنتهي بهدوء، وننسى، فلا عقوبة تعلن، ولا نظام صارم يحول دون التكرار في مواقع أخرى، ومدن أخرى.
هل يعقل أن تتكرر الكوارث والحوادث أمام أعيننا، ثم لا نستفيد منها، فنعالج الخلل، ونعاقب المتسبب، ونضع الإجراءات والأنظمة التي تكفل عدم التكرار.
كل خطأ يمكن تحمله، ويمكن تبريره، أما ما يفضي إلى قتل إنسان بريء فهذا جريمة وليس مجرد خطأ.