في الزاوية البعيدة تنحى بحزنه وألمه يقلب عينيه في الحاضرين وكأنه يبحث عن شيء مفقود، يرسل نظره بعيداً وكأنه يلمح خيال شخص ما، يبتسم فجأة ثم ما يلبث أن ينكفئ على نفسه يكتم في داخله شهقة مفجعة. يغادر المكان وقد امتلأت عيناه بالدموع ليسكب حزنه وبراءته على أعتاب الألم، وفي أعماقه يصرخ الفقد والحنين، لم ينتبه له أحد ولم يأبه لحزنه أحد، كم هو مؤلم حد الضياع عندما تنزف مشاعرك ألماً وحزناً ولا تجد إلى جوارك من يشاطرك هذا الحزن وهذا الألم.
كل الأطفال قد أيقظهم آباؤهم صباحاً للذهاب معهم إلى مصلى العيد إلا هو، وكل الأطفال قد لبسوا ثياب العيد الجديدة واشتروا هدايا العيد إلا هو، لقد سافر حلمه إلى الأبد فسافرت معه كل معاني الفرح.
استيقظ صباح العيد متأخراً، وعندما لم يجد أباه إلى جواره نادى على أمه لماذا يذهب أبي إلى مصلى العيد ولم يأخذني معه؟ لم يسمع لها جوابا ولكن دموعها وشهقاتها المرة هي التي أجابته، أقبلت إليه واحتضنته وهي تنتحب ثم قالت: لقد ذهب أبوك إلى الجنة، قال لها ببراءة لماذا لم يأخذني معه؟ دوت الكلمة في المكان فانزوت الجدران، وتهاوت المشاعر، وجثت الكلمات على كثبان الحسرة والأسى ولم يبق إلا أزيز الصدور المتعبة ونشيج الأنفس المفجوعة.
لم تشأ أمه أن تتركه لهذا الحزن المفجع أو أن تحجبه عن فرح العيد فأحضرت له كل ألعابه التي يعشقها واشترت له كل ما يريد، ولكنها لم تستطع أن تشتري له تلك الابتسامة المشرقة التي كانت على محياه في العيد الماضي، ببراءة متناهية يسأله أقرانه الصغار أين أبوك؟ فيجيبهم بذات البراءة: لقد ذهب إلى الجنة.
هنا يصبح الحزن تراجيديا مبكية تحرق أغصان البراءة في قلوب اليتامى وترسم ظلال الفقد حول محاجر أعينهم الصغيرة، فتغرق قلوبهم في طوفان الألم وجحيم المعاناة، ينشدون البسمة فلا يجدونها، ويبحثون عن الحنان فلا يهنؤون به، تلفحهم سموم اليتم ويحرق أكبادهم جحود الأصدقاء والأقربين.

