خلال الأعوام (2002 -2013) استطاعت المملكة أن تسدد 584.7 مليار ريال من دَينها العام، ليتراجع مستوى الدين العام بنحو 89% عما كان عليه في 2003، وبذلك تراجعت نسبته من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية (الاسمي) إلى 2.7% في 2013، مسجلة أقل نسبة في العقد الأخير، بعد أن انخفض الدَّين العام إلى 75.1 مليار ريال، وارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.795 تريليون ريال.
وكان الدين العام للمملكة قد سجل أعلى مستوى له في نهاية 2002 بعد أن بلغ 685,2 مليار ريال، تمثل 96,9% من الناتج المحلي الإجمالي، والبالغ حينها 686 مليار ريال، ومع ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل، زادت إيرادات الحكومة، ووضعت خطة منهجية لإطفاء الدين العام لتنخفض نسبته بنحو 94.2% خلال الفترة من 2002 إلى نهاية عام 2013، أي بمعدل تخفيض 8.6% سنوياً.
وفي نهاية العام الماضي فقط، خفضت المملكة دينها العام بنسبة 24% ليصل إلى نحو 75.1 مليار ريال مقارنة بنحو 98.8 مليار ريال بنهاية 2012، لتنخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 3.7% في عام 2012 إلى 2.7% في عام 2013.
وبالتالي أصبحت المملكة أقل دول العالم في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتوضح المؤشرات الاقتصادية أن ما يمثله هذا الدين يعد منخفضا جدا، ولا يقارن بحجم الديون في باقي دول العالم، وحلت المملكة في المرتبة 171 في قائمة الدول الأكثر ديوناً في قائمة مقارنة بنحو 175 دولة، وبذلك لا يمكن أن تصنف السعودية على أنها دولة مديونية.
ويعني تراجع مستوى الدين العام، إعفاء الحكومة من التزامات مالية، تتمثل في تحمل تكلفة خدمة الديون المرتفعة نسبيا مقارنة بما تحصله من أرباح على استثماراتها المالية في الخارج؛ وتحرير موارد مالية كانت توجّه لسداد أو تخفيض الدَّين العام، وتوجيهها لاستخدامات أخرى مثل بناء الاحتياطيات النقدية التي تجاوزت خلال 13 عاماً حاجز ثلاثة تريليونات ريال بعد أن كانت لا تتجاوز 80 مليار ريال في عام 2001، إلى جانب تعزيز البنية التحتية، وتمويل استثمارات القطاع الخاص لضمان استمرار عملية النمو الاقتصادي طويل المدى والمستدام في البلاد.
والتخفيض المتدرج للدين العام المترافق مع تطوير البنية الأساسي، وبناء الاحتياطيات النقدية الكبيرة خلال العشر سنوات الماضية متطلب أساسي ورئيس لتجاوز تراكمات 20 عاماً من العجز المالي في الميزانية (1983 - 2002)، كمرحلة أولى لإعادة تأهيل البنية التحتية المتداعية، ومنع تكرار سيناريو هذه الحقبة الزمنية الأصعب للاقتصاد والتنمية الشاملة.
وبعد تجاوز المرحلة الأصعب في تاريخ الميزانية السعودية وبناد احتياطيات مالية كبيرة تفوق الاحتياجات اللازمة لبرامج التنمية، أو تحقيق الاستقرار المالي، فإن إنشاء صندوق سيادي لاستثمار هذه الاحتياطيات هو الخطوة التالية التي يجب ألا تقتلها البيروقراطية والنظرة قصيرة الأمد، وأن تتجاوز مرحلة التفكير إلى مرحلة التطبيق والتنفيذ.
والصندوق السيادي الذي بدأ الحديث عنه منذ 5 سنوات منذ 2008، لم يحرز التقدم المأمول في دراسته، وبعد أن تم إحياء هذا التوجه من قبل مجلس الشورى هذا العام، لا تزال الرؤية حولها ضبابية، رغم أنه لا يتعارض مع الاحتياطيات السعودية التي تديرها مؤسسة النقد “ساما” حاليا، بل يختلف جذرياً عنها، فالاحتياطيات النقدية في “ساما” تركز على الاستثمار في الأدوات المالية القابلة للتسييل بسهولة وسرعة، لأنها تهدف لتلبية الاحتياجات المالية العامة، وبرامج التنمية، ولذلك تتركز استثماراتها في سندات وأذون خزانة أمريكية، وبريطانية، والتي تتسم بعائد ضعيف نتيجة انخفاض أسعار الفائدة حاليا، في حين أن الصناديق السيادية تعد أصولا مُدرة للدخل، تستثمر أموالها في أصول حقيقية كالشركات، والتقنية أو السلع، وليس في أوراق مالية، وبالتالي العائد سيكون أكبر، علاوة على أنه استثمار طويل.
ومع تراجع وضع الاقتصاد العالمي، وتوفر الاحتياطات المالية الكبيرة، فإن الوقت الراهن أفضل وقت لتأسيس هذا الصندوق للاستفادة من الفرصة الاستثمارية الكبيرة التي خلقها الوضع الحالي للاقتصاد العالمي؛ خصوصا في كثير من الشركات الأوروبية التي تنقصها السيولة وتتراكم عليها الديون، مما يتيح له الاستحواذ على العديد من الشركات الصناعية التي تمتلك براءات اختراع، وصناعة معرفية وتقنية متميزة، أو في أقل الأحوال المشاركة بنسبة ملكية عالية، وتحقيق عوائد مالية عالية ومجزية لأجيال المستقبل، والتأخر في إنشائه لا يقلل من إمكانية نجاحه، لكنه قد يفوت فرصة سانحة وثمينة لصندوق جديد يبحث عن استثمارات ذات عوائد مجزية.

