اتهام نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن لتركيا على وجه الخصوص، لا يجب أن يقرأ بعين واحدة، أو على الأقل ينبغي أن يقرأ بالتزامن مع مقابلة رئيس وزراء تركيا أحمد داوود أوغلو مع قناة CNN الأمريكية، والتي عدد فيها شروط تركيا للانضمام إلى التحالف الدولي في مواجهة تنظيم داعش.
أوغلو لم يقل صراحة «لن تدخل تركيا في حرب فقط من أجل الأكراد»، لكنه سأل: لماذا يطلب منا حماية الأكراد في عين العرب ولا يطلب منا حماية العرب؟ لماذا لا يطلب منا حماية حدودنا مع سوريا وليس جزءا منها فقط؟شروط تركيا، بعضها موجه للتحالف والآخر موجه للأكراد.
بالنسبة للتحالف تريد تركيا ضمانات بأن تفضي الحرب لإسقاط نظام الأسد أيضا وألا تصب الحملة الدولية ضد داعش لمصلحة مشروع الحكم الذاتي الكردي.
أما بالنسبة للأكراد فإن تركيا تشترط وقف تعاونهم مع النظام السوري وتخليهم عن مشروع الإدارة الذاتية.
لعبة مزدوجة
حسب مسؤولين في الإدارة الأمريكية فإن تركيا بدأت تستشعر بالفخ، الذي نصب لها من قبل الغرب، حين ترك لها الحبل على الغارب لتلعب لعبتها المزدوجة والخطيرة منذ البداية، فقد وفرت الدعم اللوجستي لمسلحي داعش لمهاجمة الأكراد في سوريا بعد إعلانهم عن مشروع الحكم الذاتي، ومن ثم فإن إقامة منطقة عازلة على الحدود مع سوريا هو شرط تركيا حتى تقضي على هذا المشروع.
لعبة المصالح التركية مع داعش وأخواتها لم تكن من أجل عيون الغرب إنما لاستعادة حلم الإمبراطورية العثمانية عن طريق تسهيل عبور الإرهابيين وتأمين معسكرات تدريب لهم وتزويدهم بالسلاح، لإسقاط الأنظمة المتحالفة مع إيران في سوريا والعراق.
معاهدة لوزان
مغامرة تركيا في المنطقة واللعب بالنار في «الحدود الجغرافية» لدولتين عربيتين هما العراق وسوريا، أنهى استراتيجيتها المعلنة منذ فترة طويلة والمعروفة بـ «صفر مشاكل مع الجيران»، ومن ثم بدأت المشاكل ترتد إليها من الداخل أولا من قبل حزب العمل الكردستاني الذي نعى عملية السلام، ومن الخارج أيضا حيث بدأت أوروبا تتوجس من مخاطر هذه اللعبة عليها شخصيا.
فلم يكن عبور الإرهابيين من وإلى تركيا يهدد دول الشرق الأوسط فقط إنما وبالأساس دول أوروبا.
لكن يبدو أن هناك خطرا آخر لم تفصح عنه تركيا، أو بالأحرى تخشاه إلى حد ادعاء نسيانه، وكلما اقترب هذا الخطر زمنيا منها جن جنون الرئيس التركي إردوغان وحزبه العدالة والتنمية، وهو نهاية معاهدة عمرها 100 عام تشكلت بموجبها حدود تركيا العلمانية الحديثة مع (كمال أتاتورك) وتعرف بمعاهدة لوزان (1923 - 2023)، وتعد اليوم أخطر التحديات التي تواجه تركيا، حيث ستصبح حدودها المتعارف عليها من آثار الماضي أو بالأحرى عفا عليها الزمان.
ما يهدد تركيا في هذه المعاهدة هو احتمال وقوع هجمات إرهابية داخل أراضيها من قبل الدواعش، أو تجدد الصراع مع حزب العمال الكردستاني، وعبر هذين المحركين سيتشكل الأمن الاستراتيجي لتركيا، ومستقبل المعاهدة بعد 2023.
عدو عدوي
من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها التحالف العربي ضد داعش هو أن ننهمك في الجغرافيا وننسى التاريخ، وأن نغرق في تفاصيل اليومي حتى تضيع منا بوصلة المستقبل، ناهيك عن الأخذ بمقولة «عدو عدوي صديقي» وكأنها من المأثورات الخالدة، لأن أهداف التحالف متناقضة ومتضاربة في كثير من الأحيان.
إن تركيا، الراعي الرسمي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، مثل إيران دولة لها ماض تاريخي إمبراطوري في الشرق الأوسط، ولم يكن ينافس تركيا العثمانية على النفوذ إلا إيران الصفوية، ناهيك عن أن ما يعرف بالصراع السني الشيعي على المستوى السياسي هو بالأساس نتاج الهجائيات المذهبية الحادة بين السنة والشيعة إبان صراع الصفويين والعثمانيين.
اليوم، نجحت تركيا في تصديرنا لواجهة هذا الصراع (السني ـ الشيعي) وهي تراقب من الخلف، لأنها تعلم علم اليقين أن مستقبل التطورات بالشرق الأوسط سيعتمد لحد كبير على نوع العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية في أعقاب الانتهاء من الحرب على داعش وبداية ترسيم المنطقة.

