من عجائب الدنيا أن تتنكر «أم الدنيا» لأمير شعراء الزجل الحاج/ «بيرم التونسي»، وهي التي طالما فتحت ذراعيها لعشرات المبدعين والسياسيين والمناضلين والكادحين من شتى بقاع العالم!
تنكر مصر لهذا الشاعر العظيم كان (سياسياً) طيلة حياته، و(المستنكر) أن يستمر حتى بعد مرور (53) عاماً على وفاته (5 يناير 1961م)! فرغم أن اسمه ارتبط بـ(سيدنا/ درويش) في عدد من المسرحيات الغنائية والمونولوجات، ورغم أن «كوكب الشرق» خلَّدته في أكثر من رائعة، ورغم أنه كُرِّم في آخر أعوامه بجائزة الدولة التقديرية للأدب، و... رغم كل هذا الحقل من (الأرغام) إلا أن «الحاج بيرم» لم ينل ما يستحق من الدراسة والنقد، ولم تعرض مسيرته الذاتية الحافلة في فيلم سينمائي أو مسلسلة تلفزيونية، إلا مرور الكرام، في بعض الأعمال التي استلهمت سير بعض المشاهير في عصره!
بدأ حياته المريرة ببيع البيت الذي ورثه عن والده، واستثمار ثمنه في تجارة السمن، ولم يكن في ذهنه أن يكون صحافياً أو شاعراً فناناً؛ لكنه اشترى بيتاً صغيراً فوجئ بالمجلس البلدي (التابع للاحتلال الإنجليزي)، ينذره بالطرد منه ومصادرته لتراكم الضرائب عليه؛ فكانت القصيدة الشهيرة (المجلس البلدي) التي نشرها في (بروشورٍ) صغير، وزَّع منه (100) ألف نسخة! فترك السمن وأصدر منشوراً سماه: (المسلة: لا جريدة ولا مجلة) حقق نجاحاً هائلاً، دفعته نشوته إلى أن يتعرض بالنقد الساخر للخط الأحمر الكبير، المتمثل في (طربوش) مصر آنذاك، ليبدأ في عيد الأضحى (1919م) رحلة (20)عاماً من النفي والضياع والتشرد، اضطرته إلى استعطاف من كان يسوطهم بسخريته ليعفوا عنه!! ويعود ليجد ابنته (التي تركها رضيعةً) زوجةً وأمَّاً!!
لكنه لم يتوقف عن الحب يوماً (العيب فيكم يافْ حبايبكم/ أما الحب يا عيني عليه)!
وهو وإن بدأ كحب (جميل وعمر)؛ لكنه انتهى النهاية المنطقية السامية في (القلب يعشق كل جميل)، التي كتبها بعد أدائه فريضة الحج، ولم يلحنها «السنباطي» «لأم كلثوم» إلا بعد وفاته بـ(7) سنوات: (واللي هويتُه اليوم/ دايم وصالُه دوم/ لايعاتب اللي يتوب/ ولا في طبعُه اللوم........)!!

