هل لنا أن نستبق الأحداث لنقول إن رئيس وزراء العراق الجديد “حيدر العبادي” جاء ليكمل مشوار سلفه ورئيسه في الحزب والائتلاف “نوري المالكي”، ويحقق ما عجز عن تحقيقه هو خلال فترتي حكمه الذي استمر لثماني سنوات، وإنه لا يختلف عنه في الهدف والاستراتيجية ولكن يختلف عنه في الأسلوب والطريقة؟، فهو لن يعادي خصومه بصورة مباشرة ووجها لوجه ومن خلال إثارة الأزمات والمشاكل معهم بنفسه أو من خلال مساعديه ومستشاريه المقربين، بل يحاول أن ينال من خصومه من خلال الخصوم أنفسهم عبر بث الفرقة والعداوة بينهم.

هذا ما حاول فعله مع الأكراد في أول تجربة له بعد توليه الحكم، ونجح فيه إلى حد بعيد، عندما زار مدينة السليمانية والتقى بأعضاء المكتب السياسي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني مؤخرا بصورة مفاجئة وغير معلنة بحجة الاطمئنان على صحة رئيس الجمهورية السابق”جلال طالباني”وحل المشاكل العالقة بين بغداد وأربيل، ولكنه كان يهدف إلى شيء آخر مغاير تماما لما أعلن عنه وصرح به لوسائل الإعلام، وهو دق الإسفين بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني بزعامة “مسعود بارزاني” والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة “جلال طالباني”، واستغلال حالة التوتر القائمة بينهما منذ فترة لخلق أزمة تؤثر على حالة الاستقرار الموجودة في الإقليم منذ عقدين من الزمن، من خلال بث خبر غاية في السوء انتشر بين الناس وتناقلته وسائل الإعلام الكردية وفعل فعلها السيئ في تصعيد المشكلة بين الطرفين، الخبر الذي تعمد “العبادي” نشره لغاية في نفسه مفاده أن اثنين من قادة الاتحاد الوطني الكردستاني ــ دون أن يسميهما، لأنه لا توجد أسماء أصلا ــ اقترحا على رئيس الوزراء السابق “نوري المالكي” قطع رواتب موظفي إقليم كردستان لإحراج رئاسة الإقليم والحكومة التي يترأسها الحزب الديمقراطي أمام الشعب الكردي وأمام الموظفين، وإزاء عجز الحكومة الكردية عن القيام بدفع مستحقات الموظفين ينتفض الشعب عليها ويجبرها على الاستقالة.
هذا كان هدف رئيس الوزراء الجديد من الزيارة وهدف التحالف الوطني الشيعي أو بعض أعضائه من الزيارة، بحسب قراءتنا للمشهد .. فلو كان هدف “العبادي” زيارة المريض وليس شيئا آخر، لقام بهذه الزيارة فور عودة “طالباني” من مشفاه في ألمانيا في شهر يوليو أسوة بأقرانه من القادة العراقيين، ولكنه أراد أن يثير الفرقة والبلبلة بين الأكراد في زيارته المفاجئة وغير المتوقعة وفي هذا الوقت بالذات.. وأما هدفه الثاني الذي كان يسعى إليه في زيارته ــ كما صرح به لوسائل الإعلام ــ هو حل المشاكل بين الحكومة الاتحادية التي يترأسها وحكومة الإقليم ومعالجة أزمة الميزانية المقطوعة، ومشكلة النفط والبيشمركة ومشاكل عالقة أخرى، فإنه جاء إلى المكان الخطأ، لأن حكومة الإقليم تدار من العاصمة “أربيل” والقرارات المهمة والحاسمة تصدر منها، والمؤسسات ذات العلاقة بالمركز توجد هناك، وليست في السليمانية.
وربما أراد بزيارته هذه إيصال رسالة واضحة إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يخوض صراعا سياسيا مع حزب “طالباني” الحليف القوي لإيران منذ الثمانينات من القرن الماضي، ومفاد هذه الرسالة هو؛ أن حزبه حزب الدعوة والتحالف الوطني الشيعي بشكل عام ومن ورائهم “ايران” لن يتخلى عن طالباني وحزبه الذي انحسرت شعبيته وخسر الكثير من مواقعه الرسمية في الحكومة الكردية الجديدة التي تمخضت عن الانتخابات التي جرت في إقليم كردستان في 21 من شهر سبتمبر الماضي لصالح عدوته اللدودة حركة “التغيير” المنشقة عنه في عام 2009 بزعامة نوشيروان مصطفى..
وقد أدرك حزب “بارزاني” المغزى الحقيقي من زيارة “العبادي” إلى مدينة السليمانية، ولم يرد أن تمر بسلام، فوجه انتقادا لاذعا إلى”عبادي”لمحاولته بث الفتنة بين الحزبين الوحيدين اللذين يمتلكان القوة المسلحة في إقليم كردستان، مستغلا حالة الصراع المتفاقمة بينهما منذ ظهور نتائج الانتخابات العامة الأخيرة، وجاء الرد قويا من قبل النائبة عن الديمقراطي الكوردستاني “بيريوان الخيلاني” التي اعتبرت “زيارة العبادي إلى مدينة السليمانية تهدف إلى تقوية علاقاته مع حزب واحد وهو الاتحاد الوطني، وليس لحل المشاكل العالقة بين بغداد وأربيل”. وأوضحت، أنه لا يمكن حل القضايا العالقة بين بغداد وأربيل بزيارة حزب واحد، وكان الأولى على العبادي أن يزور رئاسة إقليم كردستان بدلا من الذهاب إلى السليمانية.
وهنا تبدو المحاولات الحثيثة لإيران والتحالف الوطني الشيعي لوضع العراقيل أمام سلطات “أربيل” التي يسيطر عليها حزب “بارزاني” وإثارة الأزمات والمشاكل الاقتصادية والسياسية لها وعدم مد يد العون للنازحين العراقيين في كردستان الذين يربو عددهم عن المليون مع قطع الميزانية عنها وكذلك إضعاف تمثيلها في الحكومة الجديدة، في مسعى لإبعاد “أربيل” عن المحور التركي “السني”، وضمها إلى المحور الإيراني “الشيعي”!