لا تحتاج أن ترتاد المتاحف والجامعات لتستكشف رقي أمةٍ ما، كل ما عليك فعله هو مراقبة السائقين عند إشارة مرور أو دوارٍ مزدحم كتب على مدخله الحكمة المشهورة “الأفضلية لمن في داخل الدوار” وابحث هناك عن ابتسامةٍ تاهت وسط الزحام أو كلمة شكراً.

“الإتيكيت” هو فن السلوك المهذب، ورغم اشتقاق الكلمة من اللغة الفرنسية إلا أنه قديم قدم التاريخ نفسه، فكل الديانات السماوية حثت على تهذيب العلاقات بين الناس، حتى أوجز رسولنا الكريم رسالته “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
اهتم الدين الإسلامي بتفاصيل سلوك المسلمين وآدابهم فحدد من يبدأ بإلقاء السلام “يسلم الصغير على الكبير والماشي على القاعد” ونهى عن الجلوس في الطرقات “إياكم والجلوس في الطرقات”، كما أمر بالاستئذان قبل الدخول. أما رسول الله فقد كان قدوةً في رقي تعامله مع زوجاته وأصحابه وحتى أعدائه، كما “كان إذا مشى أسرع دون الجري” وإذا عاتب قال: “ما بال أقوامٍ”.
ليس الفعل فقط هو المهم بل طريقة إيصاله أيضاً فقد يدفعك أحدهم بقوة وهو يقول لو سمحت، فالرفق يعطي أفعالك بعداً أوسع “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”.
زرياب المطرب البغدادي الذي انتقل إلى الأندلس هو من ابتكر “الإيتيكيت الغربي لآداب المائدة” حيث أدخل وجبات الطعام التي تبدأ بالشوربة يتبعها الطبق الرئيسي ثم الفاكهة والمكسرات، كما وضع مناديل مختلفة الأحجام والألوان على الطاولة لليدين والشفتين والجبهة والعنق، وأصبح مدرسة لآداب السلوك يأتيها الرواد من القصور الأوروبية المختلفة لتعلم الإتيكيت.
“آسف، لو سمحت، شكراً” كلمات قصيرة يبعث سماعها على الإحساس بالألفة والراحة، وتدل على رقي أخلاق قائلها خاصة إذا صاحبتها ابتسامة دافئة، ورغم بساطتها إلا أنها أصبحت نادرة في حياتنا اليومية ويستعصي على البعض قولها، فلماذا أصبحنا بعيدين عن التعامل مع بعضنا ومع الآخرين برقي، رغم أن ذلك يعتبر جزءاً أساسياً من ديننا الحنيف؟، ولماذا أصبح التعامل بجفاء وغلظة هو الأساس حتى أصبحنا نشير إلى القلائل (ناس ذوق)؟ ولماذا تناسى البعض قول رسول الله “وتبسمك في وجه أخيك صدقة”؟

aalmansari@