بهذه الطريقة أو بغيرها، على تركيا أن تجد وسيلة لنشر السلام بين جميع مكونات الشعب التركي. بغض النظر عن مدى رغبة الرئيس رجب طيب إردوغان ومساعديه السياسيين الإسلاميين في تحويل هذا الشعب إلى مجتمع تركي مسلم سني متجانس، لم يكن هذا البلد مطلقا مؤلفا من نسيج إثني وثقافي وديني واحد – ربما باستثناء السنوات الأولى من قيام الدولة العثمانية، منذ نحو 700 عام.

هناك أتراك، وأكراد، وعرب، وقوقاز، وألبان، وآخرون من خلفيات مختلفة من شعوب البلقان في هذا المجتمع. هناك مسلمون سنة أتراك، معظمهم من المذهب الحنفي، لكن هناك أتراك ينتمون إلى مذاهب سنية أخرى، بالإضافة إلى أقلية من الشيعة، وجالية كبيرة من العلويين – بعضهم يقولون إنها تشكل نحو 20-25% من الشعب التركي. هناك عدد قليل من المسيحيين أيضا؛ لسوء الحظ اضطر هؤلاء لمغادرة موطنهم الأصلي في فترة تأسيس الجمهورية، وفيما بعد في خمسينات القرن العشرين، مما حرم هذا البلد من مساهماتهم الثرية في البناء والتطوير. معظمنا لم يكن قد ولد بعد عندما حدثت كل هذه الأحداث المشينة، ولكن حتى اليوم نشعر بالأسى لما حدث لهم.
الربيع العربي، الذي تحول إلى شتاء قاتم حارق، والخطط الرومانسية لازدهار الديموقراطيات بين يوم وليلة بدلا من الأنظمة الدكتاتورية الخانقة بكل أشكالها، وكأن الأمر يحتاج إلى مجرد إشعال الضوء، أنتجت وضعا سيئا للغاية. هاجس البيت الأبيض والرغبة الجامحة في التخلص من نظام صدام حسين بأي ثمن نتج عنه فقدان الاستقرار في العراق وتسميم المنطقة بأكملها. وكأن ذلك لم يكن وحده كافيا، أدى هوس وجشع حاكم أنقرة المطلق رجب طيب إردوغان في التخلص من نظام بشار الأسد إلى دمار ما تبقى من الدولة الوطنية وأنتجت مساحات واسعة من الأراضي غير خاضعة لسلطة الحكومة. التحريض ودعم وتمويل الإرهابيين الإسلاميين على أمل أنهم سيتمكنون من إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا خلق وحشا يقوم الآن بتدمير العراق وسوريا ويهدد حتى تركيا نفسها.
من ناحية، وصلت الحرب الآن إلى أبواب تركيا مع هجمات ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مدينة كوباني الكردية في سوريا، والمعروفة أيضا باسم عين العرب، على الحدود السورية التركية مباشرة. ومع تحذير زعيم الإرهابيين الأكراد في تركيا السجين، عبدالله أوجلان، بأن عملية السلام سوف تنهار إذا سقطت مدينة كوباني في يد تنظيم داعش، وصدور أوامر من رئيس الجناح العسكري في حزب العمال الكردستاني باهوز أردال طلب فيها من مؤيدي الحزب إحراق المدن التركية وإجبار الحكومة التركية على تزويد الجناح السوري من حزب العمال الكردستاني (PKK) بأسلحة ثقيلة، اشتعلت ليس فقط كوباني، ولكن عدة مدن تركية في ليلة 6 أكتوبر الماضية.
من الطبيعي أن يسأل المرء عن الجهة التي تبنت، وغذت، ومولت هؤلاء الإرهابيين الإسلاميين على آمال وطموحات بإنشاء خلافة إسلامية سنية تحت سلطة تنظيم الإخوان المسلمين؟ حتى عندما كانت مدينة كوباني وعدة مدن تركية مشتعلة، ألم يتحدث رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو في مقابلته مع قناة (CNN) الأمريكية عن استعداده لإصدار أوامر للقوات البرية التركية لدخول المستنقع السوري إذا وافقت واشنطن على استهداف بشار الأسد أيضا؟
هذه لعبة قذرة بالفعل...

- صحفي ومحلل سياسي تركي (حرييت ديلي نيوز)