ماذا بعد اعتذار بايدن للسعودية والإمارات وتركيا؟
عصام عبدالله، مكة - واشنطن، مكة المكرمة
لم تهدأ بعد في واشنطن العاصفة التي أثارها نائب الرئيس الأمريكي جوزف بايدن خلال محاضرته في جامعة هارفارد التي اتهم فيها السعودية والإمارات وتركيا بتدريب وتمويل تنظيمات جهادية في سوريا، ثم اعتذاره من هذه الدول. وسواء اعتذر بايدن أم لم يعتذر أو عدّ ما قاله مجرد “زلة لسان” أم عن قصد، فإن دلالة ذلك والضجة التي أثيرت أهم بكثير.
وجاءت تصريحات بايدن بعد موجة من الاتهامات التي تطال السعودية في الصحف الغربية، في حين كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزير خارجتيه جون كيري يتهمان دولا في الشرق الأوسط بدعم جماعات مناهضة للنظام السوري مثل داعش والنصرة، إلا أن بايدن ذكر تركيا والإمارات والسعودية بأنها ساهمت في نمو داعش. ثم اضطر بعد ذلك إلى إجراء اتصالات بالدول الثلاث والاعتذار، في حين أصدر البيت البيض بيانا أكد اعتذاره.
ولهذا الأمر 5 دلالات هي:
أولا:
- استمرار التناقضات – غير المفهومة - في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ بينما تسعى للقضاء على داعش تصر على إبقاء نظام الأسد الذي تعاديه قوات التحالف وتصر على رحيله، من تركيا إلى السعودية والإمارات وقطر، والاكتفاء فقط بتسليح وتعزيز قدرات المعارضة داخل سوريا المتحالفة مع جبهة النصرة والجماعات المسلحة الأخرى.
ثانيا:
- إن الحرب على داعش - الذي وصفه الكاتب الاشتراكي باتركي مارتن بأنه حليف أمريكا السابق في سوريا - ليست سوى أحدث حلقات التدخل في الشرق الأوسط والهدف منها ليس الحرية أو الديمقراطية أو حتى الحرب على الإرهاب – كما كانت حرب جورج بوش على العراق 2003 - بل الهيمنة على مقدرات المنطقة الغنية بالنفط والإعداد لحروب جديدة أكثر دموية تحقق الأهداف الاستراتيجية لواشنطن في الألفية الثالثة: محاصرة وتحجيم روسيا والصين.
ثالثا:
- تبرئة أمريكا من صناعة داعش ومن كل الدماء التي سالت – وستسال - في العراق وسوريا أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، لا سيما أن الاتهامات – وليست الشكوك – أصبحت موجهة ضد إدارة الرئيس أوباما وهي تدور في العمق حول: إذا لم تكن لأمريكا يد مباشرة في صناعة داعش، فهي على الأقل ساهمت بسياساتها الخاطئة في الشرق الأوسط في توحش ظاهرة الإرهاب وانتشارها منذ 2003 وحتى اليوم.
رابعا:
- تبرير فشل الضربات الجوية مقدما وتوجيه الأنظار إلى ضرورة وجود قوات برية على الأرض (تكون مقبولة من حكومات العراق وسوريا)، وهذا يفتح الباب علي تطورات جديدة تخص “مستقبل التحالف ضد داعش” ودخول إيران كشريك أساسي في التحالف، تمهيدا لتنقية الأجواء الإقليمية بين إيران ودول المنطقة.
خامسا:
- تزامن تصريح بايدن في هارفارد ضد الشركاء السنة من العرب وتركيا، مع تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني من أن التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب هو السبيل الوحيد للقضاء على التطرف والعنف العرقي والديني في الشرق الأوسط الكبير – حسب برس تي في - حيث أجرى روحاني اتصالا هاتفيا مع نظيره الأفغاني أشرف غاني أحمد زاي، يوم الأحد، تناول تفاصيل الاتفاق الأمني الذي جرى مؤخرا بين الولايات المتحدة وأفغانستان، وأكد فيه الأخير أن أي اتفاق بين أفغانستان وبلدان أخرى لن يكون ضد إيران أبدا.
أما بالنسبة إلى هجمات بعض الإعلام الغربي على السعودية، فهي ليست المرة الأولى، لكن هذه المرة ما يلفت المتابع لهوية الذي يكتب وهدفه والموقع الذي ينشر له وتوقيته، هو أن هذا الهجوم يتزامن مع تلميع غير مسبوق للأهمية الاستراتيجية لتركيا (الراعي الرسمي للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين عبر قطر) أكبر الحلفاء المسلمين في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والخطط التي تُصاغ الآن للدور التركي في المستقبل القريب، لا سيما بعد الانتهاء من “لعبة داعش” وإعادة ترسيم الشرق الأوسط الجديد والوكلاء الجدد للولايات المتحدة والغرب في المنطقة،
وهنا نماذج من الهجمات:
روسي: كم من المال السعودي والقطري وجه إلى داعش؟
- نشر موقع “روسي” RUSI في 1 سبتمبر، محاضرة ألقاها الرئيس السابق لجهاز المخابرات البريطانية السير ريتشارد ديرلوف الذي شكك في مصادر التمويل لداعش، وعدّ ذلك من مخاطر التحولات الجديدة للأمن القومي الغربي. وتساءل: كم من المال السعودي والقطري تم توجيهه إلى داعش – ليس بالضرورة عبر التمويل الحكومي المباشر – ولكن بعلم الحكومات العربية؟ وأشار إلى أن المناطق السنية بالعراق تتبع السعودية مباشرة وهي التي وفرت كل الإمكانات لداعش. وذهب ديرلوف في هجومه على السعودية إلى أبعد من ذلك، حيث ذكر أن داعش لها جذور أبعد في أفغانستان التي تسيطر طالبان عليها منذ أواخر التسعينات، وجاءت للعراق في مجموعات بعد الغزو الأمريكي له عام 2003 حيث تعهد زعيم تنظيم القاعدة السعودي أسامة بن لادن بمواصلة القتال ضد الغرب وأسند للأردني “أبو مصعب الزرقاوي” المهمة في العراق في أكتوبر 2004، والذي أعاد تسمية التنظيم بـ “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” لا سيما مع تزايد المانحين السعوديين والقطريين والكويتيين من القطاع الخاص ورجال الأعمال والأثرياء.
الجارديان: نهاية دعمنا للسعودية هي المواجهة الحقيقية للإرهاب!
- نشرت صحيفة “الجارديان” ضمن الحملة الشعواء التي يشنها الإعلام الغربي على السعودية، مقالا لأوين جونز في 2 سبتمبر حمل عنوان: نهاية دعمنا للسعودية هي المواجهة الحقيقية للإرهاب. وقال إننا نحارب الإرهاب منذ 13 سنة ولم نفكر بعقلانية لماذا يتفاقم، رغم كل هذه الجهود والأموال والتضحيات حيث ننتقل من كارثة إلى كارثة أكبر. إن السبب باختصار يتمثل في علاقة الغرب مع الديكتاتوريات بالشرق الأوسط التي لعبت دورا خبيثا في صعود الإرهاب الأصولي لا سيما السعودية ومنافسها الجديد في تمويل الإرهاب قطر. وفي إطار الربط غير السليم والجاهل لطبيعة الأمور اعتسفت الصحيفة أحكاما جائزة، حيث ذكرت أن السعودية تظل هي الممول الأكبر للإرهاب بالعالم، أما قطع الرؤوس فهو نهج سعودي بامتياز ولا نندهش من قطع داعش التي تجسد الفكر الوهابي السعودي للصحفي الأمريكي جيمس فولي، فقد قطعت السعودية رؤوس 22 شخصا منذ 4 أغسطس 2014 بعد اتهامهم بالشعوذة وتهريب المخدرات. الوهابية هي مصدر الإرهاب في العالم وتجذرت بعمق في قبائل البشتون الأفغانية أثناء محاربة الغزو السوفييتي وساعدت طالبان في استمرار هذه الإيديولوجية السعودية وتجسدت بالنهاية في تنظيم القاعدة وصولا إلى “داعش”. وعلى الرغم من أن السعودية أعطت الأمم المتحدة 100 مليون دولار كدفعة أولى لمواجهة الإرهاب، وندد مفتي البلاد بالإرهاب وعدّ “داعش” العدو الأول، فإن السلفيين الراديكاليين بمنطقة الشرق الأوسط يلقون الدعم الأيديولوجي والمالي من داخل السعودية. ووفقا لمذكرة هيلاري كلينتون التي سربت حديثا لوسائل الإعلام، فإن السعودية هي أهم وأكبر مصدر لتمويل الجماعات الإرهابية السنية على مستوى العالم.
هافينجتون بوست: لن نفهم خطورة داعش دون معرفة تاريخ الوهابية السعودية
- وفي محاولة لفرض أحكام مسبقة وغير صحيحة بهدف الهجوم على السعودية متجاهلة تصريحات خادم الحرمين الشريفين والحكومة السعودية، ومفتي عام المملكة حول داعش وتجريمها وخطورتها على البلاد والعباد، كتب أليستر كروك في 2 سبتمبر في “هافينجتون بوست” قائلا: من المستحيل أن تهدد “داعش” السعودية وهي ربيبتها، وكل ما يحدث هو محاولة لتوريط الغرب في العراق والشام ودحر إيران والسيطرة الإقليمية للسنة برعاية السعودية وليس تركيا أو مصر. هذه الازدواجية السعودية الداخلية والتوترات بشأن “داعش” لا يمكن فهمها دون استيعاب للتاريخ السياسي والعقائدي للمملكة والدور الخطير الذي لعبه الملك لكبح عنف “إخوان الوهابيين” والذين يعودون اليوم في صور مختلفة لكن تظل السعودية في النهاية تشكل خطرا على الغرب لإنها لن تكون مصدرا للاعتدال والوسطية، ومن ثم يجب البحث عن شرعية أخرى من داخل المنطقة وليس الاعتماد على السعودية مرة أخرى.
فايننشال تايمز: الوهابية تشترك في ملامحها مع داعش
- كتبت هبة صالح وسيميون كير في صحيفة “فايننشال تايمز” عن “حالة الإنكار” التي تعيشها السعودية بشأن أيديولوجية “داعش”. وقال الكاتبان إن النموذج الإسلامي المتشدد في السعودية أصبح في متناول النقاد الذين يرونه أساسا لأيديولوجية “داعش”. ويضيفان: إن الوهابية تشترك في ملامحها مع أيديولوجية داعش من ناحية كراهية الشيعة، وتطبيق الحد بطريقة متشددة مثل قطع الأطراف. ويتابعان: الوهابية تغطي على كل ملامح الحياة في المجتمع السعودي. وبعد هجمات 9/11 تعهدت السعودية بتشجيع التسامح، ولكن النقاد في الخارج يشتكون من عدم حدوث تغيير كبير، فلا تزال المقررات والكتب المدرسية متحيزة ضد من لا يتبع العقيدة الوهابية. ويخلص الكاتبان إلى أنه ولكل هذه الأسباب، لم يكن زحف “داعش” محل شجب داخل عدد من القطاعات السعودية. ويقول علماء السعودية إن تأثير إيران في سوريا والعراق زاد من آمال الشيعة وقواهم في منطقة الخليج، لكن صعود “داعش” قطع هذه الآمال.
مارين لوبان: محاربة الإرهاب بقطع العلاقات
- وصفت زعيمة حزب “الجبهة الوطنية” في فرنسا مارين لوبان سياسة الهجرة في بلادها بـ”السياسة المجنونة”، داعية إلى منع عودة الجهاديين المتورطين في سوريا والعراق إلى فرنسا وسحب الجنسية الفرنسية من الذين يحملون جنسية أخرى. وقالت: على فرنسا أن تختار الحلفاء في محاربة الإرهاب، وأن تقطع علاقاتها بالسعودية وقطر، وأن تعتمد على دول أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة ومصر والجزائر. وشككت بدور تركيا.

