أشارت أستاذة السياسة العامة في كلية الدراسات العليا بجامعة هاواي في مانو، فريدة فرحي في تقرير حديث صدر عن مركز وودرو ويلسون سبتمبر الجاري 2014، إلى أن الرئيس الإيراني حسن روحاني راهن على أن التحرك السريع لحل القضية النووية أولا وغيرها من القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية، قد يكون أسهل من التعامل مع البيئة المحلية المثيرة للجدل وقد يسهم أيضا في حل المشكلات الداخلية.
لكن يبدو أنه دون التوصل إلى اتفاق نووي في متناول اليد، جعل برنامجه في الاعتدال والتعقل أكثر صعوبة في متابعته وتنفيذه، ومع ذلك فإن هذا النهج ليس مستحيلا.
لقد تلقى الرئيس روحاني وفريقه في المحادثات النووية دعما محليا كافيا لكي يبدأ المفاوضات النووية الجادة مع مجموعة الدول (5 + 1)، لكن يبدو أن الإرث التاريخي من عدم الثقة في العلاقات الأمريكية – الإيرانية جعل من مسألة إحراز أي تقدم في المفاوضات، ناهيك بأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني نفسه لن تسمح بقبول أي صفقة من الناحية الفنية.
إن فشل المحادثات النووية مع الغرب لا يهدد مستقبل الرئيس روحاني السياسي فقط، ولا مسار نهجه في التعقل والاعتدال الذي وعد به، ولكن سيجعل دربه أكثر صعوبة.


كابوس خاتمي

في الشهرين الأخيرين دخلت المفاوضات بشأن البرنامج النووي بين الولايات المتحدة وإيران إلى نفق مظلم تدريجيا مما يجعل احتمال التوصل إلى اتفاق نهائي أمرا مستبعدا.
ولم يكن هذا هو الحال مع نزعة التفاؤل التي بدت لدى الجميع مع بداية الاتفاق.
وحسب فرحي، فقد ظهرت هذه النزعة في إيران خريف 2013 عندما تم التوقيع على خطة العمل المشترك مع الولايات المتحدة لإنجاح المفاوضات، ولكن في الفترة من مايو وحتى أغسطس 2014، كانت هناك قلة متنبهة من الناس في طهران على استعداد للتفكير بصوت عال حول ماذا لو فشل الاتفاق وما هي الآثار السلبية المترتبة على ذلك.
وتضيف: عندما كنت في إيران لاحظت أن كثيرا من الناشطين في معظم المؤسسات الرئيسية تقريبا يشعرون بمخاطر فشل المحادثات النووية بل واستمرارهم في دعم الفريق النووي في إيران، لا سيما أولئك الذين صوتوا لصالح الرئيس روحاني وكانوا يجزمون بحتمية النتائج الإيجابية لهذه المفاوضات.
وحين سألت عما سيحدث إذا فشلت المحادثات النووية، كانت الإجابة واحدة عند الأكاديميين والصحافيين وسائقي سيارات الأجرة وأصحاب المتاجر والمصانع، وهي التعبير عن الثقة في أن نوعا من الاتفاق سيتم التوصل إليه، وبالتالي لم أستطع الحصول على إجابة لسؤالي، لقد كان الرد المعتاد هو «سيحدث»!

 

خطأ المقارنة

وتتابع: لقد اتضح لي أنا أيضا، أن التفاؤل هو غطاء للخوف خاصة أن الرئيس روحاني قد تحرك بجرأة وأجرى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة ولا شك في أن كثيرا من الناس الذين صوتوا لصالحه قد انتابهم القلق من أن الفشل معناه إفساح الطريق أمام صعود السياسات المتشددة، وهو ما حدث بالفعل عقب فشل المحادثات النووية الإيرانية – الأوروبية الثلاثية (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) في الأشهر الأخيرة من رئاسة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، في 2005.
الخطأ الوحيد في هذه المقارنة بين الرئيس روحاني وخاتمي هو أن فشل المحادثات النووية في 2005 وقع في نهاية فترة رئاسة خاتمي، مما غير دفة الأمور في إيران التي كانت على وشك انتخابات جديدة، وأعلى من صوت المؤسسة الأمنية والسياسيين المتشددين فضلا عن السلطة التنفيذية التي لديها وجهة نظر مختلفة تماما في السياسة الخارجية والقضايا العالمية.
الفشل سوف يضعف روحاني بلا شك وبطرق شبيه لفشل الرؤساء في بلدان أخرى، رغم اختلاف التضاريس السياسية، حيث يصبح الساسة غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم وسياساتهم الأساسية وينقضون الوعود التي قطعوها على أنفسهم في السابق.
سيظل روحاني رئيسا لثلاث سنوات أخرى على الأقل، إن لم يكن سبع سنوات، مع عدم صعود المتشددين إلى رأس السلطة التنفيذية والوزارات الرئيسية وسيظل لديه المجال لإيجاد وسيلة للتنظيم وبناء تحالفات لمواجهة المتشددين، وهو التحالف الذي ساعد روحاني من قبل للوصول إلى السلطة في الانتخابات البرلمانية، في وقت مبكر من 2016.
الأهم من ذلك هو أن روحاني لا يزال لديه وتحت تصرفه الموارد الهائلة للدولة الإيرانية لجعل السياسات الاقتصادية والاجتماعية تصب في صالح الطبقات والفئات المؤيدة لنهجه ما يؤكد أن البرلمان القادم سيكون أكثر توافقا مع سياساته.
سيواصل الرئيس روحاني الاعتماد على فريقه الاقتصادي والاعتماد على الكفاءة والقدرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية حتى بدون رفع العقوبات الدولية.
لقد أزاح نائب الرئيس للتخطيط الاستراتيجي محمد باقر في أوائل أغسطس الماضي النقاب وهو أن السياسات الاقتصادية للحكومة الإيرانية من أجل الخروج من حالة الركود (إلى التضخم ) تفترض استمرار العقوبات، ومن الواضح أن هذه الحجة الاقتصادية متبعة في إيران اليوم.
صحيح أن روحاني سيواجه ضغوطا من المتشددين في حال الفشل في المحادثات النووية، لكن ما يشفع له هو أنه جعل الولايات المتحدة تتخلى عما كان يعد صراعا استراتيجيا مع إيران.
فمن الأفضل لإيران لمواجهة الولايات المتحدة (التفوق الاستراتيجي في هذا المجال) وهو: الإبقاء على البنية التحتية للتخصيب مع استمرار العقوبات وليس العكس، كما قال مهدي محمدي، وهو صحفي متشدد رافق المفاوض النووي سعيد جليلي في مفاوضات (5 + 1).

 

هل يفصل ملف النووي عن القضايا المتشابكة؟

 

في نوفمبر 2013 عندما عقدت مجموعة 5 + 1 (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا) صفقة موقتة للحد من برنامج إيران النووي، هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتفاق، واعتبره خطأ تاريخيا من شأنه أن يجعل العالم “مكانا أكثر خطورة “، بحسب داليا داسا كاي مديرة مركز السياسة العامة للشرق الأوسط – مؤسسة راند.
وتضيف: في نهاية يوليو 2014، فشل المفاوضون في التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران ومن ثم لجؤوا إلى تمديد المفاوضات.
هذه المرة، لم نسمع من نتنياهو سوى “همهمة” وبالكاد!.
قد تبدو استجابة نتنياهو صامتة ومفاجئة للجميع، وكأنه قد تم توبيخه على صوته المرتفع في المحادثات السابقة.
نتنياهو لم يستبدل إيران بحماس باعتبارها تحديا للأمن القومي الإسرائيلي، لكن إذا كان صراع غزة هو كل شيء – ومن ثم يصبح أولوية قصوى - فمن المرجح أن تؤدي تداعيات الوضع في غزة إلى تفاقم مخاوفه بشأن إيران، وربما هو ما جعل ردة فعله على المفاوضات النووية مع إيران (ضعيفة ) بالفعل، لا سيما وأن هناك صعوبة في استنتاج ما قد تفضي إليه.


تجزئة القضايا

حاول المفاوضون الأمريكيون تجزئة القضايا الإقليمية ذات الصلة بإيران خلال المحادثات، على سبيل المثال، من خلال تجنب مواضيع مثل:

  • 1 - تطوير الصواريخ الإيرانية.
  • 2 - علاقتها الوثيقة بالجماعات الإرهابية.
  • 3 - انتهاكات حقوق الإنسان داخل إيران.


في المقابل فإن المفاوضين الإيرانيين أيضا – وكما هو واضح - ليس لديهم أي تفويض لمناقشة القضايا الإقليمية الأوسع مثل: سوريا والعراق مع الأمريكيين، فقط حاولوا الحفاظ على المحادثات النووية منفصلة عن كل شيء آخر.
المنطق يقول: إن ذلك سوف يعزز احتمالات التوصل إلى اتفاق دون عوائق، لا سيما أن المناقشات النووية ذاتها هي بالفعل معقدة بما فيه الكفاية.
ومع ذلك، فإن هذا الفصل يكاد يكون من المستحيل من الناحية العملية؛ لأن الأزمات متشعبة ومتداخلة بما قد يؤثر على حسابات جميع الأطراف في المفاوضات النووية، كذلك موقف الدول مثل إسرائيل، التي ليست طرفا مباشرا في المحادثات ولكن ستجني النصيب الأكبر من نتائجها.
في الواقع، بالنسبة لمعظم دول المنطقة، فإن المخاوف بشأن إيران تمتد دائما إلى ما وراء البرنامج النووي، إذ إن طموحات إيران الإقليمية، والعلاقات الوثيقة والمتشابكة مع الميليشيات الإرهابية في جميع أنحاء المنطقة أكثر إثارة للقلق من سعي إيران الدؤوب للحصول على قدرات عسكرية نووية، إذ إن امتلاكها لهذا السلاح لن يجعلها قادرة على استخدامه ضد أي دولة حتى في الضرورة، ولكن من شأن امتلاك طهران للأسلحة النووية أن يشجع أذرعها وتوابعها في هذه البلدان الأخرى.
وفي الوقت نفسه، فإن شركاء الولايات المتحدة في عملية التفاوض، لا سيما فرنسا، يواجهون صعوبات من نوع آخر، وهناك مخاوف بالفعل من دور فرنسا في مساعدة إيران على كسر الحظر الدولي، وهو أمر أخطر بكثير، لأنه يتعلق بمصداقيتها في تنفيذ أي اتفاق نووي مع إيران.
لكن من المؤكد أن كلا من الولايات المتحدة وإيران لديهما أسبابا مقنعة للتوصل إلى صفقة نووية ناجحة، وهو ما يدفعهما إلى مواصلة العمل نحو هدف واحد، رغم الأحداث المتصاعدة في غزة.
بالنسبة لإدارة أوباما، فإن تسوية المسألة الإيرانية النووية من خلال الدبلوماسية سيكون إنجازا كبيرا لسياسته الخارجية، ويحل مشكلة واحدة للصراع في المنطقة.
بالنسبة لإيران، فإن “خامنئي” ما زال يؤيد المفاوضات نحو التوصل إلى اتفاق من شأنه أن يلغي العقوبات الاقتصادية وهي حاجة ماسة بالنسبة للدخل الإيراني، فضلا عن التوصل إلى صيغة تلبي رغبة إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي أو مدني، ويلبي في الوقت نفسه مطالب الولايات المتحدة وشركائها.

 

 

كسر خزف العقوبات

 

العقوبات التي سوف تترتب على فشل المفاوضات ليست مشكلة كبيرة – حسب فرحي – ويمكن معالجتها جزئيا عن طريق اقتصاد أكثر كفاءة حتى يتم الحفاظ على نزعة التفاؤل في حال فشل المحادثات النووية مع (5 + 1) أي أنه يمكن إدارة أفضل للتداعيات السلبية من الحماقة الاقتصادية التي أدار بها البلاد الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد.
الحجة التي سربت للحفاظ على الدعم لاستمرار المحادثات النووية هي أنه حتى لو فشلت بسبب أن الأمريكيين يطالبون بالكثير، فيكفي إيران - وحسب وعود الرئيس روحاني التي لا ذنب له في عدم تحقيقها – أنها أصبحت في وضع أفضل حين نجحت في تغيير المناخ السياسي السلبي ضدها بقبولها التفاوض مع القوى الغربية وبذلت جهودا للتوصل إلى حلول لبرنامجها النووي.
وحسب وزير الخارجية محمد جواد ظريف ورئيس المفاوضات النووية عباس عراقجي، يكفي إيران أنها أجرت المحادثات في هذا المناخ العالمي المتشكك وبمثل هذه الطريقة التي لا يمكن أن تلام عليها في حال الفشل المفروض على إيران من قبل الجميع!في الوقت نفسه قال الرئيس حسن روحاني في اجتماع موسع مع رجال الصناعة والأعمال الإيرانيين في يوليو الماضي: إن كسر خزف العقوبات لا يمكن علاجه بأي طريقة من الطرق ولا تستطيع قوة أن تعيد ما تكسر من الخزف إلى سابق عهده وشكله الأول، لقد انتهى تأثير العقوبات بغير رجعة.
إن الظروف التي صاحبت عهد الرئيس أحمدي نجاد لن تعود مرة أخرى، ناهيك بأنه لا يوجد بديل آخر لإنهاء أي تأثير للعقوبات سوى النظر في البدائل والخيارات المتاحة.
إن الرئيس روحاني سعي جاهدا لتحسين العلاقات الاقتصادية مع العالم لا سيما الصين وروسيا، فقد استغل فرصة الأزمة بين روسيا والغرب بشأن أوكرانيا وحول المشكلات بينهم إلى مكاسب لإيران وروسيا أيضا ومن ثم أوجد نوعا من التحالف المناهض للعقوبات على كليهما.
كما أن جولة الرئيس روحاني في دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت وعمان وقطر في ديسمبر 2013 بمثابة زيارة تاريخية بدعوة من قبل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح وهي الأولى منذ الثورة الإيرانية في 1979، وهي محاولة لاعتماد سياسة خارجية تصالحية مع دول الخليج لمنع فرض عقوبات في المستقبل.


الخلاف مع تركيا

ورغم الخلافات مع تركيا بالنسبة للازمة السورية فإن إيران قد سعت أيضا إلى علاقات قوية خاصة مع زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان إلى طهران في يناير 2014 والتي رد عليها الرئيس روحاني بزيارة مماثلة في يونيو الماضي.
المعروف أن هذه هي الزيارة الرسمية الأولى لرئيس إيراني لتركيا منذ 1996، حيث أعلن الجانبان عن تحسين العلاقات التجارية والاقتصادية على الرغم من الخلافات السياسية الخطيرة.
هذه التحركات المتعددة يمكن أن تؤتي ثمارها في محاولة لإنهاء العقوبات أو ترحيلها على الأقل، وهو ما يستشعره ويثمنه الشعب الإيراني والمؤيدون لسياسات روحاني، الذين لاحظوا الفرق الكبير بينه وبين إدارة السياسة الخارجية والاقتصادية للرئيس السابق نجاد، مما يجعله يستثمر هذا الجهد سياسيا في تصوير نجاح إيران على شاشة كبرى تجعل نزعة التفاؤل مستمرة حتى لو فشلت المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
ويكفي روحاني أنه أدار السياسة الخارجية لإيران في بيئة متغيرة وكسر خزف العقوبات المفروضة على الإيرانيين إلى غير رجعة.