خبير أمني حذر من تجول العمالة المخالفة داخل الأحياء

جدة.. أحواش لحرق النفايات ليلا والروائح تفضحها

فهد الحسني - جدة

لا يقتصر تقسيم محافظة جدة على التقسيم البلدي المعروف للمحافظة الساحلية، فهناك تقسيم آخر يوازي في أهميته ذلك التقسيم لكنه هذه المرة غير معلن، وهو التقسيم الذي اعتمدته عصابات السكراب وتنقيب المخلفات أو إن شئت تسميتها بـ»عصابات النفايات»، فكل الأسماء تنطبق على تلك المجموعات الصغيرة التي تنطلق من الأحياء الجنوبية إلى الشمالية تواصل الليل بالنهار للبحث عن كل شيء في نفايات المنازل والفلل، حتى وصلت بها الجرأة لدخول المباني السكنية والبحث في مداخلها عن ما خف وزنه.
بل تحول الأمر إلى سباق مع سيارات شركة النظافة في من يصل أولا، وصارت العمالة تسابق هذه السيارات بسرقة حاويات النظافة قبل وصول شركة النظافة إليها.
حرائق في المساء وروائح كريهة تنبعث في ساعات الصباح الأولى، وأمراض صدرية بدأت تنتشر بين سكان أحياء جنوبية في محافظة جدة وتحذيرات أطلقتها الرئاسة العامة للأرصاد من استمرار الوضع، كل ما سبق عناوين لمشكلة رئيسة حذر منها مواطنون من سكان الأحياء الجنوبية وبعض المناطق العشوائية، مؤكدين فيها أنه ينبغي إيقاف العمالة الوافدة التي تجمع المخلفات والنفايات من الأحياء الشمالية وتنقلها إلى الأحواش والمناطق الخالية في المناطق الجنوبية لتعيد تنقيبها، مطالبين بتدخل الجهات الأمنية والرقابية لوضع حد لها قبل تفاقم المشكلة، فبعد أن كان ذلك الأمر مقتصرا على جنسية بعينها تحول إلى مهنة دخل فيها الأطفال والنساء وأصبحت تدر عليهم دخلا يوميا يساعد على استمرارها كظاهرة سلبية.
وبحسب إحصائية رسمية لإدارة النظافة بأمانة جدة فإن حجم المخلفات اليومية في جدة يبلغ نحو 5 آلاف طن نصيب الفرد فيها نحو 1.5 كجم بشكل يومي.


شكاوى رسمية

وتقدم مواطنون في أحياء الخمرة والسنابل والسامر وكيلو 14 جنوب وشرق محافظة جدة بشكوى رسمية إلى الأمانة ضد من وصفوهم بالعمالة المخالفة ببعض الأحواش والمناطق الخالية في مناطقهم والذين يقومون بجمع النفايات ومن ثم حرقها إضافة إلى إطارات السيارات لاستخراج الأسلاك وتحويل المنطقة إلى مكب لمخلفات العمائر.
ويعمد أولئك الوافدون على استغلال المناطق الخالية والأحواش المقفلة لجمع السكراب والحديد الذي يباع على شكل كميات بالكيلو ويدر دخلا مناسبا لتلك العمالة بحسب المواطنين، مؤكدين أن وتيرة جمع المخلفات تزداد بشكل كبير خلال فترة الإجازات ونهاية الأسبوع ويشترك فيها حتى الأطفال من جنسيات مختلفة، وهو أمر يجب إعادة النظر فيه بشكل صارم وتدوير تلك المخلفات والنفايات بشكل نظامي وعبر شركات متخصصة لا سيما وأن مخلفاتها تظل سنوات في المناطق المحيطة بالأحياء السكنية.
وقال المواطن حسين علي الجدعاني، وهو أحد الذين تقدموا بعدة شكاوى إلى الأمانة، إن المشكلة لم تعد في استغلال تلك الأحواش للأعمال المخالفة بقدر ما أصبحت مشكلة صحية وبيئية إذ تبدأ خلال ساعات المساء روائح الحرائق في الانتشار على أجزاء واسعة من الأحياء الجنوبية وتختفي في النهار، بل إنه لا يمكن تمييز مصدر الدخان وتلك الروائح كون المنطقة مظلمة بشكل عام، مشيرا إلى أن تلك هي إحدى طرق العمالة المخالفة، مبينا أنها تنشط في المساء لحرق النفايات والإطارات واستخراج ما فيها من حديد وتشكل مجموعات وعصابات يصعب تتبعها لجمعها من مختلف أحياء جدة وإعادة تنقيبها في تلك الأحواش والمناطق المنزوية جنوب جدة.
وأضاف الجدعاني أن مراقبي الأمانة وحتى وزارة التجارة داهموا العديد من المستودعات والأحواش في منطقتهم بعد رصد مخالفات كبيرة فيها سواء تجارية أو غيرها إلا أن المشكلة سرعان ما تعود بعد يوم أو يومين من إغلاق أو مداهمة تلك الأحواش التي تعد قريبة من النطاق العمراني.
المواطن عبدالغني عمر الصيعري أحد سكان حي السنابل أوضح أن الشكاوى كانت تتعلق بروائح المصانع المحيطة بالحي، وأصبحت الآن تتعلق بشكاوى من ممارسات المخالفين الذين يجمعون المخلفات ونفايات الأحياء الأخرى ويجلبونها للأحواش والمناطق الخالية بالقرب من الحي لإعادة تنقيبها واستخراج ما يرغبون منها، مشيرا إلى أن ذلك كله يتم بمعزل عن أي رقابة.
وناشد الصيعري الجهات الأمنية والرقابية بوقفة حاسمة مع هذا الأمر الذي وصفه بالظاهرة، مشيرا إلى أن المسألة جدية وتتعلق بصحة وسلامة السكان.


الأرصاد تحذر

في المقابل حذرت الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة مما وصفته بالمخالفات البيئية في تلك المنطقة وغيرها من الأحياء والمناطق التي تشهد تلوثا بيئيا مفتعلا، وأكد متحدثها الرسمي حسين القحطاني أن تلك الممارسات تعد مخالفة صريحة يعاقب عليها النظام، وقال: لا يمكن تجاوز تلك الممارسات أو السكوت عليها حتى وإن كانت بعيدة عن النطاق العمراني، فالنظام الذي تعمل من خلاله هيئة الأرصاد يخولها معاقبة وتغريم أصحاب تلك الأحواش والمناطق التي تمارس فيها مثل تلك الممارسات حتى لو لم يتم القبض على المخالفين الذين يستغلونها، مشيرا إلى أن العقوبات تصل إلى تحميل مرتكبي وممارسي تلك المخالفات البيئية والمؤثرة على الصحة العامة إعادة تأهيل المناطق المتضررة من ممارساتهم وأعمالهم المخالفة.
وأوضح القحطاني أن النظام فرض حتى على المصانع الرسمية التي تمارس عملها وفق النظام أن تكون بعيدة عن النطاق العمراني بمسافة تصل إلى نحو 30 كلم حتى لا يتأثر السكان بالانبعاثات والغازات التي تخرج من الصناعات المختلفة.


تهديد أمني للسكان

إلى ذلك، أكد الخبير الأمني اللواء يحيى سرور الزايدي أنه لا ينبغي غض الطرف عن مثل هذه الظواهر الاجتماعية المقلقة، مشيرا إلى أن الجهود مشتركة بين الجهات الحكومية ممثلة في البلديات والأمن وحتى المواطنين للقضاء على مثل هذه الظواهر، وقال: لا يمكن مكافحتها بدون تعاون المواطنين فالكثير من أولئك المخالفين يعمدون للتسول وجمع المخالفات وحتى ممارسة أي أعمال تدر عليهم أموالا بمختلف الطرق والوسائل، فمتى ما وجد التعاون من الجميع لإيقاف ذلك فستنتهي المشكلة.
وأوضح الزايدي أن تجول المخالفين بشكل مستمر حول المنازل وداخل الأحياء بحجة جمع النفايات وحتى دخول العمائر السكنية يشكل تهديدا أمنيا مباشرا لسكان تلك الأحياء، وبالتالي فالمسألة مقلقة إذا ما استمرت أو تم تجاهلها، مبينا أن جمع النفايات له موظفون وشركات متخصصة ومصرحة من الأمانات، مطالبا بعدم ترك تلك العمالة التي تتشكل من جنسيات مختلفة تتجول في الأحياء حتى ساعات متأخرة من الليل بالشكل الحالي.


5 أطنان يوميا

وبلغ معدل إنتاج النفايات البلدية في محافظة جدة العام الماضي نحو 5899 طنا في اليوم الواحد كان نصيب الفرد خلالها في اليوم 1.48 كجم بحسب آخر إحصائية لإدارة النظافة وذلك لأكثر من ثلاثة ملايين وثمانمائة ألف يسكنون المحافظة الساحلية.
وتسعى إدارة النظافة لتطبيق تجربة فرز النفايات من المصدر وهو أسلوب متبع عالميا ويهدف للاستفادة من النفايات وفرزها من مصدرها (المنازل، المساكن) بحيث يسهل توجيهها لمناطق الفرز وتدويرها والاستفادة منها.
وتشتمل الفكرة على توزيع حاويات أو أكياس خاصة مختلفة لكل منها نوع خاص ولون مختلف للنفايات، فمنها أكياس للزجاج وأخرى للألمنيوم والقصدير وأكياس للأطعمة، بحيث يسهل تمييزها وفرزها بشكل مباشر، واعتمدت الأمانة بشكل رسمي 14 شركة قالت إنها لرفع ونقل المخلفات التجارية وتعكف على تطوير 10 محطات انتقالية (مخزن آلى للتجميع الموقت للنفايات) وما يشتمل عليه ذلك من أعمال إنشائية وتوريد معدات وتركيبها باستخدام أحدث الوسائل التي تضمن أداء تلك الخدمات بمستوى فني عال من خلال توفيرها لكافة المعدات والأدوات والأجهزة المتطورة والمواد المستهلكة بتكلفة إجمالية للمشروع تقدر بنحو 14 مليون ريال.
وتستخدم تلك المحطات الأجهزة الفنية والإدارية ذات الكفاءة العالية وتشمل هذه المحطات الانتقالية محطات جدة الجديدة، وذهبان، وطريق عسفان، والمحطة الانتقالية بالمطار بحي المروة، والمحطة الانتقالية ببريمان، ومحطة الجوهرة، والمحطة الانتقالية بأم السلم إضافة إلى محطة خزام.
«مكة» بدورها بعثت بريدا الكترونيا حول هذه القضية إلى أمانة جدة والتي لم ترد منذ أسابيع وحتى ساعة نشر التقرير.