لكل مشكلة جذر، فالمشكلات مثل الأمراض لها أعراض ولها تشخيص دقيق لكنهها وأسبابها، وبعض الأمراض القاتلة عرف الطب الحديث كنهها، واكتشف لها أدوية مهدئة، لكنه لم يتمكن من القضاء عليها، لأنه لم يتمكن من تشخيص الأسباب، مثلما فعل مع أمراض كانت فتاكة فيما مضى.
(داعش) -مثلا- وأمها (القاعدة)، وجدتها (السلفية الجهادية)، ومحضنها الأول (السرورية) التي خرجت بخلطة من جذور التشدد عند (السلفية التقليدية) ومن براعة التنظيم الحركي عند (تنظيم الإخوان المسلمين)، فأنتجت، وفرخت فئات التكفير والتفسيق، والجهاديين، وما زالت تفرخ، وهذه الكارثة المتمثلة في صور الإرهاب الفظيع الذي نشهده في العراق وسوريا، والذي دخل فيه فئات أخرى ظامئة للدم، أو متعطشة للانتقام، هذه الكارثة يقوم التحالف الدولي اليوم بعلاج أعراضها فقط، أي إنه سينجح في القضاء على التنظيم والمقاتلين حتى ولو طال المدى، وهو سيطول، أو يتم تطويله، لكن كنه الكارثة معروف، وأسبابها معروفة فمن يعالج الأسباب، حتى لا تتكرر الكارثة مرة أخرى بعد عشر سنوات من القضاء على أعراضها.
الفكر السيئ، لا يموت إلا بفكر بديل يبين للناس عوار السابق، وسلامة الجديد، وهو ليس كلاما يقارع آخر فقط، بل لا بد من أنظمة، وإجراءات، وإعلام، ومسجد، يدعم الفكر النير المسالم، ويقوض الفكر العدواني السيئ، وهذه مرحلة طويلة المدى، فالحرب العسكرية التي قد تمتد أعواما أو عقودا، تحتاج حملة فكرية شاملة تصحبها، وتستمر بعدها عقودا.
ولا يجوز في هذا الصدد، اتخاذ ذريعة، أو التشبث بمبرر للإرهاب، فظهوره في ملة أخرى، أو مذهب آخر، لا يبرر لأحد أن يدعمه في فئته أو مذهبه، أو يغض الطرف عنه، فالإرهاب كله ملة واحدة، وحيث العالم اليوم يتحد عسكريا لحرب تنظيماته فإن عليه أن يوحد جهوده لاجتثاث أسبابه.
من الكوارث التي يتعامل العالم مع أعراضها دون تشخيص دقيق لكنهها وأسبابها، ما يحدث في اليمن من إرهاب واحتراب، فالذين يحملون اسم (الحوثيين) اليوم، هم أتباع المذهب (الزيدي)، وهم يمثلون نسبة كبيرة جدا من الشعب اليمني، وليسوا مثل (داعش) في العراق والشام، وهؤلاء (الزيديون) وما يفعلونه اليوم، وما يرفعونه من شعارات، لا ينسجم مع تاريخهم الهادئ، فقد كانوا متعايشين مع المذاهب الأخرى في اليمن وأهمها (الشافعية)، فما الذي حدث، ليتحولوا إلى تنظيم مسلح (إرهابي)؟ لا أعرف على وجه الدقة. لكنني قرأت أن دعم الدولة اليمنية للسرورية الطارئة في اليمن وحزب الإخوان بقيادة الزنداني على مدار أكثر من ثلاثة عقود مضت أفضى إلى اضطهاد (الزيديين) في كل مناحي حياتهم، فجاءت ردة الفعل على التطرف بتطرف أعنف، ولما لم تجد اليمن حلا جذريا للمشكلة دخلت إيران على الخط ووجد فيها (الحوثيون) داعما مهما في ظل غياب الآخرين فحدث ما حدث، فإن كان هذا صحيحا، فلا بد من معالجة الأسباب قبل الأعراض. وفوق كل ذِي علم عليم.