ما زالت ثمار نظرية «الفوضى الخلاقة»، التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق كونداليزا رايس، تؤتي أكلها في ظل تواتر الأنباء عن سيناريوهات التقسيم، والتي تلاحق كيانات دول المنطقة خاصة في اليمن وليبيا، وسوريا والعراق، كونها دولا هشة.
فقد لعبت الطائفية والمذهبية والمليشيا المسلحة دورا حيويا في ترسيخ مفهوم هذه النظرية، بعد السقوط المدوي للدولة وانهيار أنظمتها السياسية والعسكرية أمام الرغبة في التغيير التي اجتاحت العالم العربي، وانطلقت شرارتها في 17 ديسمبر عام 2010 بتونس، لتلعب نظرية الدومينو دروها في الثورة على الأنظمة الفاسدة في اليمن (15 يناير 2011)، ليبيا (17 فبراير)، سوريا (15 مارس).
ولكن الرياح لا تجري بما تشتهي السفن، فتحولت تلك الدول (باستثناء تونس) إلى حالة من الفوضى وشهدت تدهورا أمنيا وسياسيا ما زالت ترزح تحت وطأته حتى الآن.
وبعيدا عن الحرب الدامية التي تدور رحاها الآن في سوريا والعراق لمواجهة أطماع وتوسعات الجماعات الإرهابية المرتبطة مع تنظيم القاعدة، مثل داعش، وخراسان، وجبهة النصرة، فإن النموذجين الليبي واليمني يمثلان الرؤية المتكاملة لمراحل نظرية الفوضى.
ففي ليبيا، أعلن ثوار درنة نيتهم الاستقلال بالإقليم، فيما تسيطر جماعة أنصار الشريعة على طرابلس، وتخوض بتحالف مع المليشيات المسلحة للجماعات الإسلامية الأخرى حربا ضروسا ضد قوات الجيش الليبي في بنغازي.
سيناريوهات المستقبل الليبي يرجح بعضها تقسيم البلاد إلى ثلاثة أقاليم، فيما ترجح أخرى التقسيم إلى خمسة أقاليم. وفي اليمن لا تختلف الأمور كثيرا عن ليبيا، إلا أن الطائفية كانت اللاعب الأساسي فيما تشهده البلاد حاليا من حالة فوضى أمنية وتدهور اقتصادي واجتماعي. فقد أصبح الحوثيون بمذهبهم الزيدي، القوة السياسية الوحيدة المتماسكة في البلاد، ونجحوا في السيطرة على صنعاء ومحاصرة الرئاسة اليمنية في عقر دارها ليكون لزعيمهم عبدالملك الحوثي الكلمة الفصل في تسيير الأمور.
ليس هذا فقط، إنما بدأ الحوثيون في رسم مخططات انفصالية للاستقلال بالشمال وتكوين دولة مستقلة لهم، مع إتاحة الفرصة للكيانات السياسية الأخرى لتحقيق مطالبها في الانفصال أو الاستقلال أيضا، سواء في عدن بالجنوب أو في إقليم حضرموت.
أصابع التدخلات الخارجية ليست بعيدة عن هذه المخططات، خاصة في اليمن، إذ يلعب نظام قم في طهران دورا مشبوها في المنطقة، وهو أمر لن يمر ولن تقبله دول الجوار أو دول العالم.
الدول الهشة ونظرية الفوضى الخلاقة
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
