من يتأمل في كثير من سلوكياتنا الحياتية في واقعنا المعاش وفي بيئتنا المحلية سيجد أن بعض هذه السلوكيات هي سلوكيات سلبية وقد تقبلها المجتمع مع مرور الوقت، حتى أصبحنا نعتقد أنها عادات يومية لا يمكن الاستغناء عنها أو أنها تقاليد متوارثة لا يمكن التخلي عنها أو الفكاك منها، لقد تشربناها جيلاً بعد جيل وحافظنا عليها وكأنها قطعة سجاد نادر أو بقايا أحجار كريمة، وهي في حقيقة الأمر لا تعدو أن تكون سلوكيات عبثية تنم عن تباطؤ في الوعي المجتمعي وعجز عن استيعاب معنى التطور الحضاري للأمم والشعوب واختلال ثقافي عززته قيم هشة وعادات بالية مبنية على ازدراء الممتلكات العامة وعدم احترامها، وقد ساند في ذلك أمثال وحكم شعبية تحث على الأنانية المفرطة وحب الذات والاستهانة بما يخرج عن نطاق هذه الأنانية فالمثل الشعبي الذي يقول: (جلد ما هو جلدك جره على الشوك) لا يعدو أن يكون تعزيزاً لهذه الأنانية وحطا من قيمة احترام حق الغير بل وإهانتها بجرها على الشوك كما يوحي به هذا المثل.
وِإني هنا أتساءل كيف لجيل تربى على مثل هذه الأمثال وغيرها من السلوكيات التي تشجع على العبث بأشياء الآخرين وممتلكاتهم والتعامل مع الممتلكات العامة والمعالم الحضارية في البلد بكل سلبية وعبثية، كيف له أن يعي أن هذا التصرف العبثي إنما هو تصرف غير أخلاقي وسلوك سلبي ينم عن قصور في الوعي بقيمة الآخر وأهمية المحافظة على الممتلكات العامة والمكتسبات الوطنية؟
ومن العجيب أن هذه السلوكيات العبثية وعلى الرغم من استفحالها في المجتمع قد وقفت أمامها كل الحملات التوعوية موقف العاجز المتفرج فخلال ثلاثة عقود من عمر التمدن الحضاري في بلادنا وتعدد تلك الحملات فإنها لم تستطع القضاء على هذه السلوكيات أو حتى التقليل من سلبياتها ونتائجها بل أصبحنا نراها في ازدياد وكأنها أصبحت عادة اجتماعية محببة وتراثا وطنيا يجب المحافظة عليه، فالمتأمل في أسوار مدارسنا وكثير من جدران منازلنا يجد أنها قد أصبحت لوحات سريالية لهؤلاء العابثين ومتنفساً لهم يبثون من خلالها عباراتهم الشوارعية الخادشة للحياء ورسوماتهم المبتذلة وتعليقاتهم السخيفة، بل لقد أصبحت هذه الجدران وهذه الأسوار مكاناً للتعبير عن الآراء القبلية والانتماءات العصبية والحزبية والطائفية، أما حدائقنا ومتنزهاتنا فلم يعد غريباً أن نرى بقايا الأكل وأكياس البلاستيك وهي تغطي أزهارها وتتناثر على جذوع أشجارها بعد كل زيارة يقوم بها أفراد العائلة لهذه الحدائق.
لقد كان هناك -إن لم تخني الذاكرة- أسبوع للنظافة يقام كل عام مناوبة مع عدد من الأسابيع الإرشادية الأخرى كأسبوع الشجرة وأسبوع المرور والتي يبدو أنها لم تكن سوى أسابيع شكلية وكرنفالات موقتة ، فعلى الرغم من بقائها لسنوات عديدة إلا أننا عندما نعيد النظر في مدى تأثيرها في القضاء على تلك السلوكيات السلبية في المجتمع نجد أنها لم تحقق شيئاً يذكر، فالنظافة لا تزال تندب حظها العاثر في الحدائق العامة والمتنزهات سواء داخل المدن أو خارجها، أما الشجرة فقد تم احتطابها وأصبحت أثراً بعد عين وكذلك الحال في أسابيع المرور فهي لم تستطع القضاء على التصرفات المجنونة لكثير من السائقين الذين حولوا شوارعنا إلى ميادين للفروسية وسباق الخيل.
عوداً على ذي بدء فإن القضاء على مثل هذه السلوكيات والممارسات السلبية والتي يعاني مجتمعنا من نتائجها السلبية لن يتأتى إلا بعاملين رئيسين: أولهما وجود القدوة الصالحة سواء كان ذلك على مستوى الأسرة أو المدرسة أو في المجتمع بشكل عام.
أما العامل الثاني فهو يتمثل في تطبيق القوانين والعقوبات الصارمة بحق المخالفين والممارسين لهذه السلوكيات أسوة بالدول التي سبقتنا في هذا المجال، وبكل تأكيد فإن هذا العابث متى ما شعر بأن هناك نظاماً يردعه وعقوبة تنتظره فإنه سيكف ولا شك عن سلوكياته تلك وسيقلع عن ممارساته العبثية وستختفي هذه السلوكيات المستعصية من مجتمعنا وستصبح مدننا وحدائقنا مضرب المثل في النظافة والنظام.
سلوكيات سلبية لم يغيرها الزمن
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
