تنتاب المتابع موجة من الذهول عندما يطالع خبرا مفاده القبض على كمية هائلة من المخدرات، ويدرك للوهلة الأولى أن المقصود ليس شخصا معينا أو مجموعة أفراد، بل المجتمع السعودي بأسره، فكميات بالملايين من الحبوب وغيرها لا يمكن أن تفسر إلا بهذا.
والعجيب هو الاستمرار بتلك الحملات وفي أوقات متفاوتة، فحتى في يومنا الوطني تطالعنا الصحف بخبر القبض على كمية كبيرة من المخدرات، وعبر صفحاتها الأولى!نعم تكبر علامة التعجب وتتسع حتى تبلغ الاندهاش وربما الذهول عندما يعلن المتحدث الأمني اللواء منصور التركي عن الأرقام المخيفة التالية:في الستة أشهر الأخيرة فقط (جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال) من العام الحالي 1435هـ تم القبض على (1197) ألف ومئة وسبعة وتسعون متهما، منهم: (456) سعودياً بالإضافة إلى (741) متهماً من (35) جنسية مختلفة لتورطهم في جرائم تهريب ونقل واستقبال وترويج مخدرات تقدر قيمتها السوقية بـ (1) مليار و(878) ثمانمئة وثمانية وسبعين مليوناً و(662) ستمئة واثنين وستين ألفاً و(162) مئة واثنين وستين ريالاً».
وفي التفصيلات أضاف اللواء التركي أن الجهات الأمنية ضبطت خلال الأشهر الستة الماضية نحو 21.1 مليون قرص من أقراص امفيتامين، منها 13.5 مليون قرص جرى ضبطها، كما ضبط أكثر من 16 طنا من مادة الحشيش المخدر، وأكثر من سبعة كيلوجرامات من الهيروين الخام.
وذكر أن رجال الأمن ضبطوا بحوزة المقبوض عليهم مبالغ نقدية تقدر بنحو 17.6 مليون ريال، و506 أنواع من الأسلحة المختلفة، وذخائر حية منوعة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقد نشرت هذه الصحيفة في صفحتها الأولى أن 75 حالة إدمان يتم تحويلها يوميا لمستشفى الأمل بجدة، منها خمس حالات هيروين!إنها حرب شعواء تهدف في الأساس إلى تحطيم القيم بكافة صورها وأشكالها؛ فقد نتج عنها قتل الأب لأبنائه بل وجميع أفراد أسرته، وكذلك عقوق الأبناء والبنات ووصل الأمر إلى القتل أيضا في بعض الحالات.
ولا غرابة، فإن النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم قد وصف الخمر بأنها أم الخبائث، وأخبر أن رجلا وقع في القتل والزنا بسبب شربها، وأن من شربها لم تقبل صلاته أربعين يوما وأنه إن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية.
وليس المقام مقام وعظ، ولكنه التحذير من هذه الآفة التي باتت تنتشر في مجتمعنا، وتعليق لجرس إنذار لتتوحد الجهود وتتضافر للقضاء على هذه الآفة، فالفرد في واقعه هو رجل أمن، وأتذكر هنا كلمات رائعة للأمير الراحل نايف بن عبدالعزيز- رحمه الله - حين قال «لولا وجود الأموال وغسيل الأموال لما وجدت هذه البضاعة سوقاً رائجة»، وكذلك قوله: «إن يقظة رجال الأمن والمهتمين وأصحاب المؤسسات الإعلامية والتربوية لها دور كبير في كشف مخططات هؤلاء المجرمين وفضح وسائلهم وطرقهم، والمواطن أيًّا كان موقعه عليه مسؤولية جسيمة في محاربة هذه الآفات بأشكالها وأنواعها».
إنه على الرغم من تحريم العلماء وتجريم الحكماء لهذه الجريمة ولكل من يتعامل معها من مروج ومتعاطٍ ووسيط وناقل، وإصدار عقوبة القتل في حقهم، إلا أن الأخبار لا تتوقف عن اكتشاف وضبط كميات كبيرة كان يراد لها الدخول لبلادنا، مما يعني أننا بحاجة متزايدة للدراسات التي يمكن أن توصلنا لأسباب ذلك، فالقضاء على البطالة وزيادة المرتبات وتوفير الفرص الدراسية وإعادة التأهيل المهني..وغير ذلك ربما يكون من شأنه امتناع كثيرين من شباب وفتيات هذا الوطن عن التعامل مع الشبكات المشبوهة والمسارعة إلى الإبلاغ عنها.
وهنا لفتة إلى أن القضاء على البطالة وزيادة الرواتب – في تصوري- سيكونان درعا حاميا، وسترا واقيا، فيرجى العناية بهما.
وأذكر أن دراسة حديثة في جمعية مكافحة التدخين أثبتت أن التدخين هو مصدر رئيس للنزول لهاوية المخدرات، فهو بوابته الأولى، وهذا يوجب مكافحته بشكل أكبر وعلى نطاق أوسع؛ فالشباب والفتيات باتوا يحتسون هذا الداء علانية وأمام والديهم وأسرهم مع بالغ الأسف!ليتنا نقيم حملات متوالية للتوعية بأضرار المخدرات والتعريف بأشكالها، ليحذر المجتمع، ويكون على قدر كبير من الإدراك والوعي، وحينها يقف صفا واحدا أمام انتشارها.
حمى الله بلاد الحرمين ووقاها كيد الكائدين ومكر الماكرين ودسائس المخربين وتخطيط المجرمين.
المخدرات.. حرب قيَم وتدمير مجتمعات
عبدالغني القش3 دقائق للقراءة

حجم الخط
