لا يدري ماذا يفعل أهل مكة؟ الجميع في اضطراب يصاحبه شوق وحنين! الجميع في قلق يصاحبه شعور بفرحة لا توصف ولا يمكن تعبيرها إلا بإشراقة ابتسامة تسطع في محياه! تجد كل أهل مكة مستبرق اﻷسارير والاستبشار لا يفارق وجوههم.
مكة تنتفض عن بكرة أبيها! الرجال يجهزون الطرقات ويعبدونها، والشباب يزينون المنازل بالقناديل، والنساء يجهزن أطفالهن! لاستقبال ذاك اليوم العظيم بعظم ما حصل فيه!أهل مكة يترقبون اﻷخبار لحظة بلحظة! فلا يكاد أحد يطيق الجلوس في البيت! الجميع في الطرقات بل أصبحت فجاج مكة نوادي واجتماعات وتجمعات!الجميع أنظارهم تجاه (الحجون) عند نزلة (السليمانية بجوار مقبرة المعلاة)!أهل مكة تكاد قلوبهم تفارق مكانها وتطير نحو تلك الجهة! لا يحتمل الصبر! كثرت اﻷخبار! الكل يتحدث وليس هناك سامع! الكل يطير باﻷخبار! الكل مضطرب ولكن تسكن بداخله زقزقات فرح وسرور! لا تكاد أرجلهم تثبت على اﻷرض، ترتفع وتطير نحو السماء! اﻷمر ليس بيدهم! بدأت اللحظة التاريخية وأجمل أيام مكة بمكة، وأسعد لحظات أهل مكة في مكة، تقترب شيئا فشيئا، حتى الحجيج وزوار البيت يلاحقون أهل مكة ويزاحمونهم.
الحدث المقبل حدث يستحق أن تفنى دونه اﻷعمار! لا يصلح فيه اﻹيثار! وكل واحد ينتظر تدوين اسمه في سجل التاريخ ضمن من رضي الله عنهم!وحانت ساعة الصفر، إنها ليلة الخامس من ذي الحجة! الدموع لا شعوريا تفارق محاجرها والشوق نار كاوية! ولو كنا مكانهم لعرفنا قيمة تلك اللحظة! بل قيمة تلك النظرة الواحدة التي تحولك من سجل إلى سجل آخر في التاريخ! بل اﻷعظم من ذلك أن يخلد ذكرك في القرآن! ويترضى عنك اﻹنس والملائكة والجان!بدأت فجاج مكة تمتلئ والأرجل تدفع القلوب قبل الأجساد نحو (جرول) أمام مستشفى الولادة سابقا بالتحديد! في مكان يسمى بذي طوى ولا يزال بئره موجودة حتى اﻵن! بدأت وفود الحجيج تسبق الحدث العظيم وهي قادمة إلى مكة أفواجا وزرافات! تسمع دوي أصوات تلبيتهم من بين الجبال! ولكأن الجبال تلبي معهم! مئة ألف نسمة من الحجيج يلتفون حول الحدث العظيم! في منظر مهيب!! تجدهم مطرقي الرؤوس من شدة التواضع.
في هذه اللحظة ظهر ما كانوا يرقبونه! في هذه اﻷثناء ورغم ظلام الليل ظهر النور الذي كانوا ينتظرونه! الله أكبر افرحي يا أرض وزغردي يا سماء وهللي يا بطحاء وكبري يا أم القرى! لقد قدم إلى مكة من كانت تشتاق إليه رمال مكة وبطحاؤها.
قدم إلى مكة في ليلة الخامس من ذي الحجة من كانت تسلم عليه حجارة مكة وهي تعرفه وهو يعرفها، قدم إلى مكة في هذه الليلة من أخرج منها طريدا فوقف على شرفات مكة ونظر آخر نظرة إلى الكعبة المشرفة وعيناه تذرفان فقال «والله إنك لمن أحب البلاد إلي إلا أن قومك أخرجوني منها»، قدم إلى مكة في هذه الليلة من وعده الله في كتابه قائلا: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون).
قدم إلى مكة نبي الكون وهادي البشرية وإمام الدنيا نبينا، صلى الله عليه وسلم!هتف الناس جميعا! هذا رسول الله! هذا رسول الله! هذا رسول الله!فكانت أجمل أيام مكة هذه الليلة! وصباح يوم الخامس من ذي الحجة!إنها حجة الوداع قبل 1425 للهجرة النبوية! في السنة العاشرة للهجرة.
بات الرسول صلى الله عليه وسلم في ذي طوى على أكمة غليظة! استعدادا لدخول مكة صبيحة الخامس من ذي الحجة!فلما أصبح صلى الصبح ثم اغتسل لدخول مكة بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وسلم، تعظيما وإجلالا لمكة!دخل النبي، صلى الله عليه وسلم، صبيحة الخامس من ذي الحجة من أعالي مكة من جهة «السليمانية» المطلة على «مقبرة المعلاة! فهرول الرجال وفي مقدمتهم أعيان مكة لاستقباله! وامتلأت اﻷسطح بالنساء المتلفعات بمروطهن! وانطلق اﻷطفال يسابقون الريح لاستقبال اﻷب الرحيم والنبي العظيم! فجعلوا يمسحون كفه الشريفة في وجوههم ويتعجبون من برودتها! تلك الكف التي راحتها ألين من الحرير وأطيب من رائحة المسك وكأنما أخرجت من جؤنة عطار.
فبادلهم النبي الكريم، صلوات ربي وسلامه عليه، في تواضع عظيم وبمشاعر اللطف والحب! فإذا به يتناول أحد اﻷطفال فيعلقه في كتفه واﻵخر في ظهره والثالث يرفعه على عاتقيه والرابع في يد والخامس في يد أخرى فجعل يمشي أمام أنظار العالم متثاقلا بأطفال مكة! والكل يبتسم ويضحك من هذا المنظر الذي يفيض حبا، ومن فرحتهم بمقدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم! ويهتفون هذا رسول الله! هذا رسول الله! هذا رسول الله.
فانطلق النبي، صلى الله عليه وسلم، نحو البيت العتيق لا تحمله قدماه من شدة الشوق! واتجه الناس نحو الحرم، فأناخ راحلته ودخل من باب بني شيبة - وفي الصور القديمة للحرم كان شاخص الباب موجودا في صحن المطاف ومن دخل من «باب السلام اﻵن» واتجه مباشرة إلى صحن المطاف ونزل عبر الرخام المحزم بحزام أسود الموجود في أرض المطاف من جهة باب الفتح سيدخل في نهاية الحزام المعترض من باب بني شيبة بالضبط - والدخول منه سنة!فعندما رأى البيت لم يملك عينيه فذرفت فاتجه نحو الحجر اﻷسود فاحتضنه وهو يبكي ويقول: (هاهنا تذرف العبرات) ثم مسح على الحجر ثم لثمه بشفتيه ثم سجد عليه بأبي هو وأمي! فكان عمر رضي الله عنه يقول بعد ذلك: «قد رأيت النبي بك حفيا»!فخرج من نفس الباب واتجه نحو الصفا فلما رأى الناس قد كثروا عليه وازدحموا عليه ازدحاما شديدا - ولم يكن بين يديه طرد ولا شرد ولا إليك عني إليك عني - والكل يلتمس تلك النظرة في محياه الشريف والنظر إلى وجهه الصبوح! ﻷن الجميع يعرفون معنى تلك النظرة التي تحولهم من إنسان عادي إلى صحابي جليل يترضى عليه إلى آخر الزمان في كتاب الله وعلى ألسن المؤمنين!فامتلأت أسطح البيوت المجاورة للصفا والمروة بالنساء!فرأفة بالناس ركب النبي صلى الله عليه وسلم ناقته ليشاهده الجميع فسعى بين الصفا والمروة راكبا بأبي هو وأمي ما أرحمه!وفي الختام أقول يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما!ولكن ليعلم كل من كان معه في ذلك اليوم أننا وإن كنا لم نحظ بما حظوا به من شرف المزاحمة لرؤية نبينا، صلى الله عليه وسلم! أننا لنرجو والله أن نزاحمهم على الحوض بإحيائنا لسنته وتطبيقنا لشريعته!ولن نتركهم يخلصون إلى رسولنا، صلى الله عليه وسلم، لوحدهم! حتى يعرفوا أنهم خلفوا من بعدهم رجالا!وإن شوق نبينا لرؤيتنا في اﻵخرة حين قال: (وددت لو رأيت إخواننا....إخواني الذين يأتون من بعدي ويؤمنون بي ولم يروني)، سيتحقق في ذلك اليوم!! والموعد الجنة!! والموعد الجنة!! والموعد الجنة!! فأعدوا العدة يا إخوة ويا أخوات رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
الخامس من ذي الحجة أجمل أيام مكة
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
